إدلب: وداع ثورة ووعدٌ بها

ادلب-5

المدن – عمر قدور

تسعون نقطة تظاهر شهدتها محافظة إدلب يوم الجمعة الماضي، بمشاركة حشود ضخمة تحت شعار “لا بديل عن إسقاط النظام”. علم الثورة، برمزيته لكونه علم الاستقلال أيضاً، كان طاغياً بأحجامه الصغيرة والكبيرة، ومرسوماً على خدود أطفال خرجوا كأنهم في كرنفال. لا شك في أن هذا المشهد مما لا يطيق سفاح وقاتل أطفال مثل بشار الأسد رؤيته، وهو بالتأكيد ليس المشهد الذي يتمناه قادة النصرة وأمثالهم من أصحاب الأعلام السوداء.

من المفارقة أن صور مظاهرات إدلب تذكّر بالمظاهرات التي عمّت سوريا في الأشهر الأولى للثورة، وهي اليوم تبدو عزلاء وحيدة بخلاف المظاهرات الأولى التي كانت تعِد بأحلام عزّ تحقيقها في ما بعد. من هذه الناحية لا يلزمنا كثير من التشاؤم كي نتخوف من أن تكون مظاهرات إدلب مظاهرات وداع، بقدر ما يلزمنا كثير من الحماس والانفعال كي نرى فيها عوْداً على بدء. فمصير إدلب كما يعلم الجميع ليس في يد أهلها، وليس كما يُشيع البعض في يد قادة النصرة، مصيرها مثل غيرها من مناطق سُلّمت للأسد رهن بتفاهمات دولية وإقليمية، وهذه الأخيرة أثبتت حتى الآن تفوقها على إرادة السوريين.

السيناريوهات المسرّبة عن الحل في إدلب تترواح بين التهديد بسياسة الأرض المحروقة وبين تسوية قد تكون أفضل مما حدث في الغوطة ودرعا، إذا لم تُترك للضمانة الروسية المخادعة وحدها. ضمن هذه السيناريوهات أتت المظاهرات بشعار “لا بديل عن إسقاط النظام” لا كهدف قابل للتحقيق، وإنما تعبيراً عن رغبة ستبقى موجودة وكامنة إذا حالت دون تحقيقها الظروف. هي رسالة ليست موجهة للأسد، كما كان يحدث عندما خرجت المظاهرات تنادي بإسقاطه لما كان مسيطراً على البلد، بل هي رسالة موجهة إلى العالم الذي ينقسم بين من يريدون تدبر بقاء الأسد ومن يريدون تدبر بقاء النظام من دونه.

لقد حاول الأسد والروس والإيرانيون تصوير إدلب كأنها قندهار سوريا، تمهيداً لتسويتها بالأرض مع تواطؤ دولي. إلا أن المظاهرات تثبت ما يخالف تلك الرواية التي أُعدّت خلال سنوات، وتضمنت ترحيل مقاتلي النصرة وسواهم من مناطق أخرى إلى إدلب، فالذين خرجوا على هذا النحو، وعلى طبيعتهم المعروفة، لا يمكن إلا لمجرم أن يصفهم بالتكفيريين والإرهابيين تمهيداً لإبادتهم. وإذا تجاوزنا عتبات من المنطق، لنعتقد أنهم من جمهور النصرة كما يريد الأسد وجمهوره من بعض المعارضين قبل الموالين، فالأحرى التوقف عند واقع أن هؤلاء يقبلون المتطرفين على علاتهم ولا يقبلون العودة إلى إرهاب الأسد. سيكون من ضعف المنطق، قبل التدني الأخلاقي، ألا تُحسب هذه الحجة المزعومة على الأسد بدل احتسابها على أناس خبروا بطشه وقالوا كلمتهم.

تقول مظاهرات إدلب ما يقوله ملايين السوريين: نعم، قد نضطر إلى العيش مرة أخرى، رغماً عنا، تحت سلطة الأسد، لكن قناعتنا راسخة بعدم وجود بديل عن إسقاطه هو وتنظيمه. تقول أيضاً: إذا خسرنا ثورة فذلك لا يعني تغييراً في قناعاتنا، وبناء عليها سيكون ثمة وعد دائم بثورة قادمة. قد يُساق بعض ممن شاركوا في هذه المظاهرات، إذا عادت سيطرة الأسد، إلى مظاهرات تأييد له، وقد يُجبر بعضهم الآخر على الظهور في إعلامه والقول أنه كان مكرهاً على معارضة النظام. فَبْركات من هذا القبيل لن تنجح في التغطية على الواقع الذي يعرفه الأسد قبل غيره، وهذا فحوى الانتقام والتنكيل اللذين يمارسهما شبيحته في كل منطقة يسترجع سيطرته عليها.

إن واحداً من أوجه الصراع مع الأسد وحُماته اليوم إفهامهم أن إرادة غالبية السوريين هي إسقاط الأسد، وأن هتاف “الشعب يريد إسقاط النظام” منذ بدايات الثورة لم يكن نزوة عابرة انتهت أو ستنتهي بالتوبة. سبع سنوات ونصف من الإبادة والتدمير والتهجير المنهجيين لم تدفع بأهالي إدلب إلى التوبة، ولا حتى إلى الجلوس في بيوتهم من باب التقية القديمة. نستطيع أن نضيف فوق سجل الأسد انتهاكات لفصائل متطرفة وأخرى معتدلة أيديولوجياً، من أجل فهم أفضل لما تحمّله الأهالي، لكن معركتهم ضد التطرف وضد مرتكبي الانتهاكات هم الأولى بخوضها، وليس من حق أحد خوضها نيابة عنهم ولأهدافه التي تتضمن سحق الأهالي قبل المتطرفين.

وربما آخر ما يمكن أن نصف به مظاهرات إدلب أنها تحمل مطلباً، فهي في الواقع ضمن معركة تثبيت الحق وتثبيت الذاكرة. الأسد والذين يعملون على بقائه يعرفون أن إلغاء الحق وتزييف الذاكرة ركنان ضروريان لهم، ومقاومة مشروعهم تقتضي التشبث بالاثنين، والقول دائماً بأن عدم إحقاق الحق لا يعني بطلانه، وأن الذاكرة أقوى وستبقى حتى إذا استحال الجهر بها في مكانها. بهذا المعنى ينبغي ألا تمنح تلك المظاهرات أملاً كاذباً بسبب استعجاله، من دون أن تفقد زخمها بوعد مؤجَّل.

بالطبع حملت مظاهرات إدلب ما يمكن انتقاده، بخاصة من قبل الذين استغلوها لتمرير ولائهم لجهات لا يمثّلها علم الثورة والاستقلال. إلا أن أسوأ ما فيها لا يُقارن بمهازل الانتخابات المحلية التي أجراها الأسد قبل يومين، ومنها ما كان سائداً قبل الثورة من إرغام الموظفين والطلاب على الاقتراع، مع إضافة دور جديد لحواجز المخابرات المنتشرة في كل مناطق سيطرة الأسد هو استجواب العابرين عما إذا كانوا قد شاركوا في الاقتراع. عصابة حتى وهي تزعم ممارسة الديموقراطية لا تجيد التمثيل، أو لا تريد لأحد من أتباعها تصديقها وإنما فقط قسره على المشاركة في مسرحها البائس. هذا ألطف وجه من النظام الذي رفعت مظاهرات إدلب شعار عدم وجود بديل عن إسقاطه، وهذا ما ينفي المقارنة من أصلها، ويضع بعض ما حصل في المظاهرات تحت النقد بينما تبقى لامعقولية سلطة الأسد خارج النقد!

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *