أغرار الوطنية السورية

سوريا

المدن – عمر قدور

الحديث الذي كثر مؤخراً حول الموضوع الدرزي لم يثر حفيظة المعنيين به، على نحو ما يمكن أن يحدث لو كان الأمر يتعلق بالحديث عن العلويين أو السُنّة أو المسيحيين.

ذلك إما أن يعني اتفاقاً درزياً على هذه الخصوصية، بخلاف الكتل الأخرى التي لا تُعرِّف نفسها مذهبياً أو طائفياً وهذا مستبعد، أو أنه يعني صراحة وواقعية أكبر بالمقارنة مع الجماعات الأخرى التي تلجأ إلى نوع من التقية السياسية.

ما يعاكس تلك التقية المفضوحة مقولات درجت منذ انطلاق الثورة السورية، مثل “حامي الأقليات”، ومثل المطالبة بتقديم تطمينات تخص المستقبل للأقليات. وكما نعلم تكاثر الحديث حينها عن دوافع طائفية وراء تأييد الأسد، وأيضاً عن ردود أفعال طائفية نجح الأخير في استدراجها، بمعنى الاعتراف بالمسألة الطائفية على الجانبين، وإن بدت أصيلة من الجانب الأول ومؤقتة وعارضة من الجانب المقابل.

بالطبع كان لشعارات “المجاهدين” الشيعة الذين غزوا سوريا أولاً أن تستجلب نظيرتها من “المجاهدين” السُنة، وكان للصراع الشيعي-السني في المنطقة أن يعثر على ضالته فيها. لكن لم يكن محتملاً لهذا الصراع الإقليمي أن يباشر جولة ربما هي الأشرس لو لم تكن المسألة الطائفية في سوريا تسمح له بذلك، ولو لم تكن الجماعات المحلية تملك استعداداً لخوض صراع مركب مرير، يفوق استعدادها لخوض صراع ديموقراطي سلمي، ويفوق استعدادها لبحث جدي في سبل التشارك في السلطة.

بصرف النظر مؤقتاً عما نعرفه حول الأسبقية، أو المتسبب الأول في ما حدث، لقد أصبحت شعارات الثورة عبارة عن تطلعات وأحلام في الهواء منذ اصطدمت بواقع تماسك الجماعات على الأرض. الشعارات التي كانت تطالب بالحرية والديموقراطية كانت تقارب المسألة الوطنية من زاوية التساوي في الحريات الفردية، ومنها الحريات الثقافية والمعتقدية، إلا أنها كانت عديمة الالتفات إلى الجماعات التي اشتمت رائحة التغيير، وتريد لأي تغيير أن يضمن لها حصة عادلة أو تناسب طموحاتها.

نظرياً كان يُفترض بالأغلبية الساحقة، أفراداً ومجموعات، تأييد الثورة لأن أدنى ما تعِد به أعلى مما يمكن الحصول عليه من الاستبداد الأسدي.

هذا القياس المنطقي لم تثبت صحته، لأنه لا يأخذ في الحسبان حقيقةَ تحفُّز القوى على استثمار لحظة التغيير الكبرى من منظورها، ووفقاً لحساباتها التي قد تخطئ أو تصيب، لا وفقاً لتصوراتنا المسبقة عن الصالح العام الكلي.

ننسى غالباً أن الاستبداد، وهو يقوم بقمع الحريات الفردية، يقمع أيضاً حرية الجماعات وتطلعاتها، وأن القمع المشترك بين الطرفين لا يعني تلقائياً اتفاقاً بينهما على مقارعته.

إن صعاليك الطوائف والإثنيات بهذا المعنى وحدهم أغرار الوطنية بمفهومها السائد، بينما تخترقها تطلعات الجماعات من كل جانب، ولا يندر أن يتلاقى بعض تلك التطلعات مع الاستبداد، أو أن يرى في دوامه حلاً أنسب من وعود الوطنية.

لقد رأينا مثلاً ما حدث في العراق إثر إسقاط صدام حسين، حيث كانت الظروف شكلياً أفضل بوجود قوة وصاية أمريكية وحضور أممي كثيف، وبعد الربيع العربي رأينا الانقسامات البليغة في اليمن وليبيا وعدم وجود أفق قريب لإيجاد حل لها.

مع بدء الثورة كان هناك مساران متعارضان بشدة، خوف غربي من مآل يشبه الوضع العراقي وعدم انتباه من أهل الثورة لذلك المآل.

قد يكون تخوف قسم من الخارج بمثابة ذريعة للإبقاء على بشار في السلطة، أو بالأحرى للإبقاء على الاستبداد كضامن لضبط الأوضاع، هذا لا يمنع أن تصوراتنا عن الدولة الوطنية المأمولة قد منعت الالتفات والتفكير في أوضاع معقدة شبيهة من شأنها إعاقة الوطنية السورية. وقوعنا بين نموذجين واقعيين، هما العراقي واللبناني، لم يترك أثراً على الأدبيات السياسية السورية، وكان المضمر فيها دائماً أن سوريا ليست لبنان أو العراق، من دون أن يسند هذا الزعم سوى وجود أغلبية مذهبية أكثر صراحة، حتى إذا استُخدم العامل الأخير ذريعة مضادة لمنع التغيير.

“الشؤم” الذي يمثّله النموذج اللبناني، ومن بعده العراقي، استخدمه تنظيم الأسد قبل الثورة للتخويف من التغيير، مثلما كان مستبعداً من طالبي التغيير باعتباره دعاية أسدية فحسب. ذلك منع الخوض في احتمالات ذهاب الوضع السوري إلى مآل مشابه، وأغلب أدبيات المعارضة ذهب إلى أن الحل السحري يكمن في الدولة الوطنية، بينما لم يكن يظهر في قمة جليد الجماعات سوى الحركة السياسية الكردية بمطالبها التي تفترق عن التصور الوطني السائد. في الخلفية ربما كان إرث العروبة ماثلاً، بوصفها الرابطة التي تجمع الأغلبية، من دون انتباه إلى أن الرابطة العروبية بدورها كانت غطاءً أيديولوجياً يخفي تحته صراعات وعصبيات أدنى كان بعضها في أساس تكوينه.

لقد تمحورت الممكنات في الأدبيات السياسية حول “دولة وطنية” تكون خلاصاً من الاستبداد، وتكون في الوقت نفسه بديلاً عن مشاكل المحاصصة الطائفية في لبنان، ومن ثم العراق. المشكلة أن مفهوم الدولة الوطنية بقي إلى حد كبير جداً بلا تطوير مفاهيمي، وإلى حد كبير بلا تنازل إزاء واقع يبتعد عنه باضطراد، وإذا كان للخلاص من الاستبداد جمهور واسع نسبياً فإنه يتضاءل مع الدولة الوطنية، هذا ما يفسر ضخامة الجبهة المضادة للأسد وصغرها في ما يخص الالتفاف حول أهداف الثورة. العامل المهم جداً قد يكون ندرة الأدبيات السياسية التي تخوض في النظام السياسي المقبل، فكلمة نظام ديموقراطي على سبيل المثال لا تعني نظاماً محدداً مع وجود طيف متنوع ومختلف جداً من الديموقراطيات في العالم.

من أجل تغيير يحتمل فرص نجاح أكبر سيكون من مهمة الأدبيات السياسية تفكيك الاستبداد على نحو مختلف، بعدم الاكتفاء بهجائه أو شرحه كما هو موجود بوفرة. ففي غياب نقاش عام، تبادر هذه الأدبيات إلى طرحه، حول النظام السياسي المقبل ستُواجَه لحظات التغيير دائماً بالعقبة ذاتها من جماعات تتمسك بالهيمنة أو تسعى إليها. هذا ربما يتطلب أولاً تفريغ السلطة من معناها القائم، التفريغ الذي لا يعوّل على حسن إدارة لاحق وإنما على تفكيك آليات السلطة الحالية برمتها، وبحيث لا يكون رأس الهرم ذا قيمة تجعله مطمعاً للاحتكار أو للمحاصصة.

مع اشتداد الانقسامات المجتمعية تشتد الحاجة إلى التفكير في نظام ديموقراطي مطابق، يعِد بتمكين الجماعات وعدم تهميش أيّ منها، ويقطع الطريق أيضاً على هيمنة أيّ منها عبر سلطة ذات طابع مركزي.

الظن بأن صعود جماعاتنا عارضٌ وقد ينقضي بعد الفشل الحالي قد لا يحتمل من الصواب أكثر من الظن بأن الاستبداد وصفة ناجعة لضبطها أو صهرها وطنياً على المدى البعيد، فالواقع يفيد حتى الآن بقدرة الجماعات على استرجاع قسم من صعاليكها أثناء اشتداد الصراع. الواقع يفيدنا أيضاً بوجود العديد من الديموقراطيات الغربية خارج جرن الانصهار الوطني الذي تعودنا أن نغرف منه، وليس محتماً خوض الحروب نفسه من أجل الوصول إلى حل مماثل.

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *