ماذا يمكن موسكو تقديمه إلى واشنطن؟

فلاديمير بوتين و دونالد ترامب

الحياة – باسل الحاج جاسم

تستضيف العاصمة الفنلندية هلسنكي، اجتماع الرئيسين الروسي فلاديمير بوتين والأميركي دونالد ترامب، في 16 تموز ( الجاري)، ويعتزم الرئيسان مناقشة آفاق تطوير العلاقات الثنائية، والقضايا الدولية، وسيكون هذا أول اجتماع كامل لقائدي البلدين بعيداً من المؤتمرات والقمم الدولية. فقبل عام، التقى بوتين وترامب للمرة الأولى في هامبورغ في أروقة قمة مجموعة العشرين، وبعد ذلك ببضعة أشهر، تم التواصل بينهما لفترة وجيزة في فيتنام خلال قمة أبيك.

في اللقاءين السابقين، في هامبورغ ودانانغ، كان لدى الرئيسين الكثير للتحدث عنه، إلا أنهما لم يتفقا على شيء تقريباً، وهذه المرة، سيتّجه ترامب للقاء بوتين، بعد قمة لرؤساء دول حلف الناتو في بروكسل، وإذا كانت هذه القمة شاقة لحلفاء ترامب، مثل قمة دول السبع التي سبقتها، في الوقت الذي يوجه الرئيس الأميركي رسائل إيجابية لنظيريه الروسي والكوري الشمالي.

الكثير من الملفات الصعبة والمعقدة – من أوكرانيا إلى سورية ومن كوريا الشمالية إلى إيران – ستكون على جدول أعمال قمة هلسنكي التاريخية بين بوتين وترامب، والمشكلة أنه ليس ممكناً تحقيق أي تقدم حقيقي في أي منها.

في سورية، يمكن بوتين أن يعد بتقليص القوات الروسية هناك، مكرراً بذلك ما سبق وقاله عن عودة الجنود الروس إلى الوطن بعد تنفيذهم المهمة، ويستطيع أيضاً بسهولة، التعهد بعدم التدخل في الضربات الجوية الإسرائيلية على القوات الإيرانية والميليشيات التابعة لها في سورية، حيث أن روسيا لم تحاول على الإطلاق اعتراضها سابقاً.

في أوكرانيا، بالتأكيد لا يكاد بوتين يصدق الإشاعات التي تقول إن ترامب قد يعترف بضم روسيا شبه جزيرة القرم، لكنه يستطيع إعطاء عدد من التطمينات بأن القوات الروسية ليست موجودة في شرق أوكرانيا،(منطقة الدونباس) حيث تدور معارك بين الحين والآخر.

بالنسبة الى كوريا الشمالية – وهو الملف الذي له أولوية في شكل خاص الآن بالنسبة إلى ترامب – يمكن بوتين أن يتعهد بالحفاظ على نظام العقوبات، حتى لو لم تكن تعجبه، على الرغم من أن الصين في هذه القضية، وليس روسيا، لديها بالفعل النفوذ لتشديد العقوبات أو تخفيفها، إلا أن موسكو تتابع بذكاء دور بكين هنا.

لا يمكن تجاهل حقيقة أن روسيا ليست سوى «عامل ضئيل» في الحرب التجارية بين الولايات المتحدة والصين، لكن بوتين ربما يتظاهر بأن هناك ثغرات من خلال التزام الصمت، حول هذه المسألة، والتي يمكن أن يتردد صداها بشدة في اقتصاد روسيا الذي يتعرض لعقوبات غربية على خلفية أزمة أوكرانيا وشبه جزيرة القرم .

لا بد من الحديث عن الدور التاريخي لفنلندا، والأسباب التي أدت الى اختيارها مكاناً لاجتماع بوتين – ترامب.

هلسنكي استضافت في عام 1975 مفاوضات الرئيس الأميركي جيرالد فورد مع الأمين العام للجنة المركزية للحزب الشيوعي السوفياتي ليونيد بريجنيف، وكانت النتيجة اتفاقية هلسنكي، وهي وثيقة وقعها رؤساء 35 دولة، معلنة تحسّن العلاقات بين الدول الشيوعية والدول الرأسمالية آنذاك.

في عام 1990، قبل انهيار الاتحاد السوفياتي ببضعة أشهر، ناقش جورج بوش الأكبر وميخائيل غورباتشوف أزمة الخليج العربي في هلسنكي كذلك، وفي عام 1997، في المقر الرسمي للرئيس الفنلندي، أجرى الرئيسان الأميركي بيل كلينتون والروسي بوريس يلتسين محادثات، واليوم يأمل البيت الأبيض والكرملين بأن يؤدي الاجتماع المرتقب إلى تحسن في العلاقات الروسية – الأميركية.

قد يكون هناك سبب آخر، هو أن فنلندا «أرض محايدة»،لأنها ليست جزءاً من حلف الـناتو، لكن عضوية فنلندا في الاتحاد الأوروبي تربطها بالغرب، كما أنها تتمتع بعلاقات جيدة مع كل من واشنطن وموسكو.

ستكون قمة فنلندا، فرصة لـ»لفتة رمزية» يمكن أن تكون مهمة في مستقبل العلاقات الدولية، فالرئيس الأميركي سيغادر قمة الأطلسي، للاجتماع مع بوتين، والعالم لم ينسَ رسالة ترامب الشهيرة الموجهة إلى قادة الحلف، أنهم في حاجة إلى زيادة إنفاقهم العسكري. ومما لا شك فيه، أن الاجتماع في دولة محايدة يمكن أن يعتبر رسالة ضغط الى زعماء دول الناتو، وأن يزيد من إنفاقهم الدفاعي، الأمر الذي سيخفف بدوره العبء المالي على الولايات المتحدة، وهو ما يبحث عنه ترامب.

هناك الكثير من التكهنات حول جدول أعمال قمة هلسنكي، والإجراءات، وحتى نتائج اللقاء المرتقب، لكن يبدو أن معظمها يخطئ في الملف الذي يهتم بوتين بإنجاحه لنظيره الأميركي، ويمكنه فعل ذلك بتكلفة قليلة جداً، فترامب اليوم قد يحتاج في الداخل الأميركي الى إعلان أي نصر .

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *