“شغَّلناكِ مشان زوجك”!

المرأة

المدن – نور عويتي

أسوأ البدايات هي تلك التي بدأتُ بها.
تركت دمشق قبل أن أعلق شهادة تخرجي على حائط منزلي. وصلت إلى بيروت فارغة اليدين، لا أملك ما يلزمني من تجارب وخبرة لأكمل رحلتي. كنت متحمسة لخوض تجارب جديدة، ما دفعني إلى التقدم والاشتراك في العديد من ورش العمل لاكتساب المهارات. وبسبب تقاطع الاهتمامات بيني وبين زوجي عُمر، كنا نتقدم إلى تلك الورش سوية، وفي أغلب الأحيان يتم قبولنا معاً.
مازلتُ أذكر يومي الأول. كنا تائهين في حارات منطقة شاتيلا، باحثين عن المنظمة التي دعتنا للنقاش في تقنيات المسرح التفاعلي لليافعين هناك. دخلت القاعة المليئة بالأشخاص المجهولين بالنسبة إلي. جلست الى جانب عمر، وبدأ الأشخاص بالتعريف عن أنفسهم.

جاء دوري، فعرّفتُ عن نفسي، لكن أحدهم لم يكتف بما قلته على ما يبدو، فسألني: “بتقربي عمر”؟ فأجبته بأني زوجته. لم أكن أدري حينها أن هذا الجواب سيشكل حالة من الذعر والهلع، فانطلقت عقب الجواب، مجموعة من الأسئلة والتعليقات التي أبدى أصحابها الإندهاش، وبدأت النظرات تحوم حولي وتجرمني. اعتدت هذه النظرة والأسئلة في ما بعد، فمفهوم الزواج لدى مدعي الثقافة هو أشبه بمفهوم المساكنة لدى المجتمع المحافظ.

بعد بدء النقاش في الجلسة، تم تجاهلي وتهميشي. وفي نهاية الحوار، بدأت المشرفة بتوزيع الأوراق لتقييم الحوار ومشاركة المقترحات، فوزعت لكل فرد ورقة. وعندما وقفت الى جانبنا، أعطت عمر ورقة واحدة، وتخطتني! في تلك اللحظة، شعرت بأن الناس يتعاملون معي وكأنني حيوان عُمر الأليف، لا أكثر.

تتالت الورشات التي جمعتنا، وفي كل مرة كنت أتعرض فيها للتهميش والانتقاد، وأحياناً للاستهزاء. دائماً يتم التعامل معي كتابع لا أكثر، ولطالما سمعت عبارات تصغّرني وتقلّل من قيمتي على حساب الذكر: “أنت شو هامك.. أنت أو زوجك أخدتوا الشغل.. ما بتفرق”.

لم تفارقني الانتقادات. فمنذ ثلاث سنوات إلى اليوم، أستمع للانتقادات حول كتابتي الصحافية والإبداعية، التي سبقني عليها عمر بسنوات كثيرة. ففي كل جَمعة للأصدقاء، وما بين المزح والجد، يلقون سمومهم حولي، فتبدأ الأسئلة: “من ايمتى أنتي بتكتبي”؟ “بشرفك مو عمر يلي بيكتبلك”؟.. وبلغت الوقاحة بأحدهم أن يهنئ عمر أمامي على ذكائه و”صفقته الناجحة”، حيث استنبط بأن زوجي يضع اسمي على بعض المقالات لاكتساب مال إضافي.

لم تكن المشكلة في عمر يوماً، وإنما هي ضريبة أدفعها بشكل يومي لوجودي في مجتمع لا يتقبل إنجاز الأنثى بسهولة. لم يرتبط اسمي باسمه فقط، وإنما بدأ ارتباطي به يلغيني شيئاً فشيئاً. حتى في خلافاته مع أصدقائنا المشتركين (وما أكثرها)، ورغم التزامي الحياد، إلا أنني كنت أُعامل كتابع له، وأفاجأ بأن الصديق المشترك يحظرني في مواقع التواصل الاجتماعي، ويشملني بالعقاب والسباب والشتائم.

لا يؤمن هذا المجتمع بالاستقلالية، فهو تربى على يد نظام أبوي لا يختلف عنه في شيء. وفي كل مرة كنت ألتقي فيها امرأة متزوجة وناجحة ومستقلة، كنت أحسدها، أرى فيها بطلة أسطورية، ومناضلة، وأدرك أنها كافحت كثيراً وعانت حتى وصلت إلى ما هي عليه. وكنت أفكر بسلسلة طويلة من النساء الناجحات حول العالم، وبالتحديد أولئك اللواتي يكافحن للمساواة وحقوق النساء حول العالم (سيرينا وليامز، هيلاري كلينتون، أنجلينا جولي، أحلام مستغانمي…).

الكارثة هنا، كانت عند لقائي بواحدة من تلك النماذج المحلية في بيروت، أو مَن تبدو كذلك للوهلة الأولى. التقيت بها في منظمة تعنى بالأبحاث، وكان عمر يعمل فيها. كانت مهتمة وناشطة في المجال النسوي، إضافة إلى كونها باحثة. تجاذبنا أطراف الحديث حول وضع المرأة ومعاناتها، وكانت تحدثني عن الرحلات التي تقوم بها بين دول اللجوء، لرصد حال المرأة. كنا نتحدث عن تبعية المرأة وخوفها والسلطة ذكورية عليها، وكانت تدعوني إلى كافة النشاطات الخاصة بالمرأة، ومؤخراً دعتني إلى مجموعة خاصة بقصص النساء الناجحات.

ذات يوم، أعلنت المنظمة عن حاجتها إلى فريق عمل، فتقدمتُ إلى الوظيفة وحصلت عليها. تعاونت فيها مع 15 كاتباً، ووصلت ليلي بنهاري لإنجاز مشروعي وتسليمه قبل الموعد المحدد وبأفضل جودة ممكنة. وبالفعل تمكنت من ذلك، وأثنت عليّ تلك المرأة، وعلى دقة عملي وسرعته، ما دفعها إلى التعاون معي في مشاريع أخرى.

منذ أيام، تشاجر زوجي معها لأسباب تخصّ عملهما معاً، وضعتُ نفسي على الحياد كما جرت العادة، لكنها لم تفعل ذلك. فأثناء شجارهما ذكَّرَت زوجي بأفضالها، ومنها: “شَغَّلنا مرتك مشانك”! هكذا، اختزلت، بجملة واحدة، العقلية المهترئة التي تغطيها بالأفكار المستنيرة لضرورات العمل.

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *