دروس درعا التركية

تركيا

المدن – عائشة كربات

الجميع في تركيا بمن فيهم المعارضة، يحاولون الإدعاء أن درعا ليست موجودة. لا شيء يحصل هناك. فقط بعض المحللين، بدافع الحشرية، وبعض مستشاري الرئيس رجب طيب أردوغان، بهدف الإجابة حول التطورات في حال واجهوا أسئلة، يراقبون تطورات درعا عن كثب، أثناء عضّ أظافرهم على الأرجح.
هناك أمران حيويان في سوريا يهمان تركيا بشكل أساسي: اللاجئون السوريون ومستقبل الجيوب التي يسيطر عليها الأكراد التابعون لوحدات حماية الشعب الكردية على طول الحدود الشمالية لتركيا مع سوريا، والتي تسميها الحكومة التركية بـ”رواق الإرهاب”. وينظر إلى وجود هذا الكيان باعتباره تهديداً وجودياً لتركيا. وفي تركيا مقولة يجري تكرارها بشكل دائم: “إذا كان الوطن على المحك، فلا شيء آخر مهم”.

لكن لا يزال هناك ثلاثة دروس على تركيا أن تتعلمها من درعا.

أولاً، النظام العالمي قبِل بالفعل ببقاء رئيس النظام السوري بشار الأسد. هذا يجعل الأسد أكثر قسوةً في استهداف المدنيين. عندما يأتي دور إدلب بعد درعا، وبسبب القسوة، من المرجح أن يقوم مليون لاجئ سوري بالتوجه إلى تركيا.

ثانياً، رغم أن درعا اعتُبرت واحدة من مناطق “خفض التصعيد”، لم يتردد الأسد وحلفاؤه من مهاجمتها بشدة. إدلب هي منطقة “خفض تصعيد” أيضاً، ويمكن أن تشارك درعا  المصير نفسه، إضافةً إلى أنه في إدلب هناك 12 نقطة مراقبة تركية ومئات الجنود.

عملية درعا حصلت بناءً على تفاهم بين الولايات المتحدة، روسيا، دمشق، الأردن وإسرائيل. الأسباب خلف هذا التفاهم واضحة: واشنطن وإسرائيل تريدان الحد من نفوذ إيران وحزب الله في جنوب سوريا. لقد أخذوا موافقة روسيا بهذا الشأن، بمقابل أن لا يرفعوا الصوت بوجه عملية درعا. هذا هو الدرس الثالث لتركيا. يمكن تطبيق سيناريو مشابه عندما يتعلق الأمر بالجيوب الكردية. رغم أن العوامل والديناميات تختلف، لكن من أجل السكوت عن عملية النظام السوري في إدلب، يمكن لتركيا أن تحصل في المقابل على توسيع عمليتها العسكرية ضد الجيوب الكردية.

تحت هذه الظروف، سيكون هناك المزيد من المفاوضات بين روسيا وتركيا حول إدلب. تركيا في موقف أضعف لعدة أسباب. علاقة تركيا بالولايات المتحدة – القوة الوحيدة القادرة على موازنة روسيا، مروعة لعدة أسباب. إضافة إلى ذلك، الطائرات الحربية التركية غير قادرة على التحليف فوق عفرين، أعزاز، جرابلس والتي تسيطر عليها على الأرض قوات تركية والمعارضة السورية المدعومة من أنقرة. هذه المنطقة جرى استحداثها بعد عمليتين عسكريتين تركيتين هدفهما المعلن كان منع الاعتداءات على تركيا، وإعاقة الجيوب الكردية هناك.

أوروبا والولايات المتحدة الأميركية وبعض دول الشرق الأوسط تعارض وجود تركيا في تلك المنطقة، لكن عدم قبولهم ليس على مستوى كبير من الأهمية مع حصول تركيا على الدعم الدبلوماسي من روسيا. لكن الوجه الآخر من العملة يظهر أن عدم المعارضة الأوروبية تضعف تركيا أمام روسيا عندما يتعلق الأمر بروسيا. هذا سيجبر تركيا على القيام بخيارات صعبة. من جهة هناك المعارضة في إدلب، ومن جهة ثانية هناك الدعم الدبلوماسي من روسيا التي تتوق لتقول إن هذا انتصارها، بعد وضع إدلب مرة آخرى تحت سيطرة النظام.

إن السيناريو الأفضل لتركيا في إدلب هو أشبه بلعبة دومينو: المدنيون في إدلب يمارسون ضغطاً على المعارضة السورية المسلحة لمحاربة “هيئة تحرير الشام” التي يصنفها الجميع كمنظمة إرهابية. إذا نجحت المعارضة السورية، يمكنها الوصول لاتفاق في إدلب مشابه لاتفاق درعا. في المقابل هناك العديد من البنود التي تحتمل التحقق وعدم التحقق في هذه الخطة. إضافة إلى ذلك، إذا كان هذا سيتحقق، فالاستفزازات بوجه الجنود الأتراك في إدلب قد تحصل، تركيا قد تجد نفسها متورطة في النزاع الذي يقترب من إدلب.

السيناريو الثالث هو بؤس كلي: النظام وأنصاره يقومون بعملية شرسة ضد إدلب مما قد يؤدي إلى هجرة جماعية. في هذه الحالة ، قد تحاول تركيا وقف موجة اللاجئين قبل أن تتدفق إلى تركيا. على الرغم من أن تركيا ستتمكن من نقل بعض اللاجئين إلى مناطق محددة تحت سيطرتها ، إلا أن هذه المناطق ستكون صغيرة للغاية بحيث لا تستطيع استيعاب مثل هذا النزوح الكبير.

هناك قضية أخرى في الأفق. بعد إدلب ، سيقول الروس: دعونا نفتح طاولة المفاوضات من أجل شمال سوريا. الشمال مختلف عن الجنوب. لا توافق بين روسيا والولايات المتحدة على مستقبل شمال سوريا. مصالحهم متناقضة للغاية ويبدو أن الحل الوسط غير ممكن.

يريد الأميركيون أن تبقى هذه المنطقة مجزأة ، بينما يريدها الروس أن تكون متحدة تحت سيطرتهم. إذا وصل الروس إلى هذا الهدف، فسوف تمتد هيمنتهم إلى الشرق الأوسط بأكمله على حساب الولايات المتحدة. أيضاً، شمال سوريا ليس شمال سوريا فقط، بل يتعلق بحلف شمال الأطلسي (الناتو)، إنه يتعلق بتقاسم السلطة العالمي. وبما أنه من المهم أن يطلب كل من الروس والأميركيين من تركيا أن تلتزم. عندما تأتي هذه اللحظة في المستقبل القريب، سيكون على تركيا أن تقرر أكثر القضايا أهمية بالنسبة للشعار: الوطن سيكون على المحك.

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *