ماذا فعل فينا العام 1979؟

A4CDEE99-E698-4E3F-9391-7E82E66BF138

حسين الوادعي *

الزمان: بداية القرن الخامس عشر الهجري، عام 1979 ميلادية.

في الأول من فبراير/ شباط عاد اية الله الخميني الى طهران بعد سقوط الشاه، لتأسيس أول دولة ثيوقراطية في القرن العشرين.

وفي 20 نوفمبر/تشرين الثاني، احتل جهيمان وجماعته المسجد الحرام في مكة، مطالبين بإسقاط النظام والبيعة للمهدي المنتظر.

وفي 25 من ديسمبر/كانون الأول، اجتاحت القوات السوفياتية أفغانستان، لتنصيب حكومة شيوعية موالية بقيادة حفظ الله أمين.

الحدث الأول انتهى بتسييس التدين الشيعي وتصديره إلى العالم العربي، وفاقم ظاهرة تسييس التدين السني، لأن نجاح الثورة الخمينية أقنع الجميع ان الدين هو كل شيء، وأنه يحمل كل الحلول لواقع الهزيمة، والتخلف الذي غرق فيه العالم العربي منذ هزيمة 1967.

والحدث الثاني انتهي بتصدير السلفية الوهابية التطهرية الأكثر تشدداً في فهم النص. كانت الصدمة، أن جهيمان وجماعته، يرون العائلة الحاكمة ورجال الدين المرتبطين بها كفاراً، وكان ردّ بيت الحكم السعودي أكثر غرابة، إذ رأى أنه لا سبيل لتفادي جهيمان جديداً، إلا بتبني أفكاره والتشددّ في الممارسات الدينية، حتى لا تتهم السلطة مرة أخرى بمخالفة أحكام الشريعة.

أما الحدث الثالث، فانتهى بتصدير وعولمة الجهاد. كان التصرف السوفيتي اجتيازاً للخطوط الحمراء للحرب الباردة، ولمعت حينها في ذهن زيغنيو برجنسكي، المستشار الأشهر للأمن القومي الأميركي، فكرة الانتقام بتأسيس طوق ديني عالمي لمواجهة الشيوعية، واندلعت شرارة الجهاد الافغاني، التي تبلورت في أميركا، ومولتها السعودية، وسهلتها باكستان، وسلّحها العرب ببقايا السلاح السوفيتي المهدي لهم في زمن الصداقة السوفيتية العربية!

هذه هي الأحداث الكبرى الثلاثة التي قادت التحولات السياسية في العالم العربي والإسلامي طوال الأربعين عاماً المنصرمة، وأدت الى صعود “الايديولوجيا الاسلامية”، بأعمدتها الثلاث، (الحكم الديني باسم الخلافة، أو الامامة بديلاً عن الديمقراطية والقومية، تطبيق الشريعة كبديل عن التحديث والتنمية، أسلمة المجتمع والثقافة، أو بعبارة أكثر صراحة “إعادة ادخال المسلمين في الاسلام”).

تجاوزت الأحداث نطاقها المحلي، وجرّت معها العالم في دوامة لا زلنا عالقين في بؤرتها.

في نفس العام، عاد الشيخ اليمني مقبل الوادعي إلى مسقط رأسه في محافظة صعدة اليمنية على الحدود الجنوبية للسعودية، ليؤسس أول معهد سلفي “دار الحديث”. كان الوادعي مقرباً من جهيمان، وتتضارب الآراء حول مشاركته في أحداث اقتحام الحرم المكي، لكنّ السعودية وجدت أن أفضل وسيلة للتخلص منه هي إعادته الى اليمن.

صعدة هي مركز التشيع اليمني (المذهب الزيدي)، وزرْعُ بؤرة دعوة سلفية نشطة فيها، كان بمثابة نزع الصاعق عن صراع مذهبي كان يمكن تجنبه، خاصة وأن نسخة “السلفية العلمية” للوادعي، كانت اقصائيةً ليس ضدّ الآخر الشيعي فقط، بل ضد الآخر السني أيضاً، (الشافعية، الصوفية، الإخوان).

بعد بضع سنوات تحركت المراجع الزيدية تحت اسم الدفاع عن المذهب، لتنشئ مجموعاتها التعليمية الخاصة، “تنظيم الشباب المؤ من”، الذي سيقود عملية الإحياء الشيعي المضاد، الذي سيعرف يمنياً باسم “الاحياء الزيدي”. كانت أعين السعودية وإيران مشدودة باتجاه صعدة طوال تلك السنوات، وكان الدعم والتوجيه مستمراً باتجاه الحليف المذهبي. سيتحول تنظيم الشباب المؤمن بعد حروب صعدة الست، الى تنظيم “انصار الله”، الذي سيزحف عام 2014 الى صنعاء ويسقط الحكومة ويستولي على السلطة والجيش وسلاح الدولة كاملا.

شهد عام 1979 أيضاً، تشكيل “الجبهة الإسلامية”، كجناح مسلح للإخوان المسلمين في اليمن. كانت الجبهة الاسلامية التشكيل المضاد للجبهة الوطنية، الماركسية التوجه والمدعومة من اليمن الجنوبي الماركسي في ذلك الحين، وعملت لقيادة حرب عصابات على النمط اليساري من اجل اسقاط حكم صالح.

فشلت قوات صالح في مواجهة التمدد المتسارع للجبهة الوطنية، ورأى الاخوان المسلمون الفرصة سانحة لمساندة السلطة للسلطة في صنعاء، مساندة ستجعلها شريكا في السلطة من خلف الستار، وفعلا استطاعت الجبهة الاسلامية حسم الصراع، وسقطت الجبهات تباعاً في يدها حتى النهاية الفعلية لحرب “المناطق الوسطى” عام 1983.

كانت نتيجة هذا التحالف تمكين الإسلاميين من وزارة التربية والتعليم ووزارة الاوقاف واعطائهم الحرية كاملة في “تحصين المجتمع ضد الأفكار الماركسية”، وكان هذا يعني إطلاق يدهم لنشر أفكارهم داخل المجتمع فشهدت الثمانينات عملية أسلمة لليمن، شملت التعليم (إعادة صياغة المناهج بما يتناسب مع الرؤية الإخوانية)، وأسلمة القوانين، والزيّ (فرض النقاب ومنع ارتداء الازياء الحديثة من قبل النساء خصوصا) ومنع حصص الرسم في المدارس، ومهاجمة افتتاح دور السينما المحدودة في البلاد، وفرض سياسة عدم الاختلاط بين الجنسين،وفرض منهج “الثقافة الاسلامية” في الجامعات، بعد صياغته بنفس اخواني- قطبي متشدد، وتجريف المذاهب التقليدية (الشافعية والصوفية والزيدية) لصالح الإسلام السياسي الإخواني.

وتوسعت الدولة في دعم “المعاهد العلمية”، وهي مدارس دينية سيطر عليها الإخوان، وشكّلت نظام تعليم مواز ووزارة تعليم خفية، كرست انشقاقاً ثقافياً داخل المجتمع اليمني حتى الغائها عام 2002.

في تسعينات القرن الماضي، رزح اليمن تحت عبء إعادة الأسلمة السنية على يد الاخوان والسلفيين، والاسلمة الشيعية على يد “الشباب المؤمن”، وكانت الظلال الكثيفة لأحداث العام ،1979 وراء عواصف التغيير والتدمير التي أسقطت اليمن دولةً ومجتمعاً وتاريخا ًبنهاية عام 2014.

لكن ما حدث في اليمن كان جزءاً صغيراً من موجة كبرى تجتاح المنطقة.

كان المصري محمد عبد السلام فرج، قد أنهى تأليف كتاب “الفريضة الغائبة” عام 1979 أيضاً، الذي سيصبح إنجيل الجهاد والإهارب للجماعات الجهادية التي ستهزّ الساحة المصرية، حتى منتصف التسعينيات. وكما حدث مع جهيمان، أعدمت الدولة المصرية فرج لكنها تبنت أفكاره. بل إن العالم الاسلامي تبنى أفكار عبد السلام فرج، في حمّى “الجهاد الافغاني”.

سيصبح الإسلام والجهاد صنوان لأكثر من عقدين من الزمان، والموضوع المفضل للتأليف عند نجوم الإسلام السياسي من يوسف القرضاوي الى مصطفى مشهور وعبد الله عزام، وقبل كل هؤلاء سيتمّ استدعاء تنظيرات الجهاد، عند ابن القيم الجوزيه، وحسن البنا، وأبي الأعلى المودودي.

أما ذروة الرؤية الجهادية للإسلام فستكون مع عبد الله عزام، وهدفه البعيد لتحويل كل المسلمين إلى مجاهدين. في إحدى فيديوهاته الشهيرة سيعلم عزام أن “كل مسلم إرهابي”، وأن المسلم الحقّ عنيف قوي لا يعرف المدنية أو النعومة، وستتلقف جماعات الإسلام السياسي كلمة عزام، وستكررّ على اعضائها طوال عشرين عاماً، أن “الإرهاب” حكم شرعي لا يجوز نقده!

ستصبح “الصحوة الإسلامية” عنوان المرحلة، وسيسيطر على المجال العام، دعاة الأسلمة السياسية من عبد الحميد كشك، الى محمد متولي الشعراوي، وعبد المجيد الزنداني، ويوسف القرضاوي، ومحمد العريفي، وعايض القرني، وغيرهم من الدعاة التلفزيونيين، الذين سيفرضون مفاهيم “الايديولوجيا الاسلامية”، بعد أن فتحت لهم أبواب الإعلام على مصراعيها بلا قيود.

بعد الغزو الاسرائيلي للبنان عام 1982، ستتجمع التشكيلات الشيعية التي سيستها طروحات موسى الصدر، في بداية السبعينيات، لتشكل “حزب الله”، الذي سينقل عملية تسييس الإسلام الشيعي، الى قلب العالم العربي. وستخضع الحكومات لأسلمة القوانين بعد أن تمكنت الجماعات الدينية من أسلمة السياسة، والفوز بالانتخابات البرلمانية، لتتحول قضية “تطبيق الشريعة”، الى قضية الخلاف المركزية داخل البرلمانات العربية طوال عقدي الثمانينات والتسعينات.

بدأت أسلمة القوانين مع جعفر النميري في السودان عام 1983، وسياساته المتسرعة في تطبيق الحدود، التي ستؤدي من ضمن عوامل اخرى، الى انفصال جنوب السودان . ثم سيعيد المشرعون المصريون النظر في الدستور والقوانين عام 1985، واستبعاد كل المواد القانونية التي كانت قد ضمنت حقوقا أفضل للمرأة، أو للأقليات الدينية، وسيعيد اليمنيون أسلمة الدستور والقوانين عام 1997.

لم يتأخر المغرب العربي كثيراً في الانصياع لسياسات الاسلمة. ففي منتصف الثمانينات استدعت الجزائر الشيخين يوسف القرضاوي ومحمد الغزالي، لمساعدة الدولة في تشكيل إسلام عصري ومنفتح، لكن الإخوانيين السابقين والاسلاميين الحركيين البارعين، خلقوا بدلا عن ذلك، حراكاً واسعاً لأسلمة السياسة والمجتمع في الجزائر،(ثم في تونس لاحقا)، مما ساهم في خلق البذور التي ستؤدي الى الاحداث الدموية للعشرية السوداء، بين الإسلاميين الجزائريين والسلطة.

كان الإسلاميون (اخوانا وسلفيين)، قد تمكنوا من السيطرة على المؤسسات التربوية في اليمن والسودان والاردن والجزائر والسعودية والكويت وقطر، واعادة صياغة المناهج حسب الايديولوجيا الاسلامية التي صارت من البديهيات التي يتعلمها أي طالب من المرحلة الإبتدائية، وعلى رأسها “شمولية الاسلام”، واعتباره ايديولوجيا شمولية، يحمل نظاماً اقتصادياً وسياسياً واجتماعياً اخلاقياً أبدياً غير قابل للتغيير عماده الجهاد والقوة في النشر والتطبيق والصيانة.

لكن أحداث الربيع العربي زعزعت أسس ومنطلقات الاإديولوجيا الاسلامية في عقول الناس، بعد أن قدمت داعش وجبهة النصرة واخواتها، التطبيق الحرفي المتوحش لأطروحات الإسلام السياسي. انهارت الايديولوجيا الاسلامية من الداخل بفعل الانقسام السني -الشيعي الحاصل. لم يعد قياديو الاسلام السياسي يتحدثون اليوم عن “الاسلام”، بل عن “الإسلام السني” و”الإسلام الشيعي”، وافضلية كل منهما على الآخر. لم يعد الاسلام هو المظلة أو الحل، ولم تعد قضية تطبيق الشريعة، ذات معنى، بعد أن فشلت في تقديم تصور واضح، لحل مشاكل الفقر والتخلف والاستبداد، وانقسمت الاحزاب الاسلامية من الداخل وانشق كبار قادتها عنها.

عندما صرح وليّ العهد السعودي، محمد بن سلمان، أن السعودية تريد العودة إلى إسلام ما قبل 1979، وعندما خرج الشباب الإيرانيون في مظاهراتهم الأخيرة للمطالبة بإسقاط ولاية الفقيه والعودة لزمن ما قبل 1979. كان هذا يعني أن ظلال 1979 الطويلة ما زالت مخيمة على القرن الحادي والعشرين العربي والإسلامي، لكن التحرك المضاد للقضاء على تداعياتها قد بدأ.

هل يمكننا القول إننا اقتربنا نهاية تأثيرات العام 1979؟ العام الذي استمر 40 عاماً، وقاد العالم في طريق سريع مجهول النهاية؟

*صحفي وكاتب يمني

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *