برقيات روسية “غير عاجلة” من سوتشي

وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف خلال افتتاحة مؤتمر سوتشي

برقيات عديدة أرسلتها روسيا إلى العالم من خلال مؤتمر سوتشي الذي جاء تحت عنوانين برّاقين “الحوار الوطني السوري” و”السلام للشعب السوري”، برهنت من خلاله قدرة الدبلوماسية الروسية على الفاعلية السياسية الإيجابية في الملف السوري بالتوازي مع فاعلية ميدانية عسكرية.. فاعليتان توازيان أو تفوقان بقية التدخلات سواء من قبل حلفائها “الأتراك والإيرانيين” أو منافسيها “الأمريكان والغربيين والعرب”.
البرقية الأولى: التأكيد على دور روسيا المحوري في سوريا، وقدرتها على حشد طرفي الصراع “النظام والمعارضة” لدعم وتمرير ما يراه صانع القرار في الكرملين مناسبا لإنهاء الأزمة السورية والوصول إلى حل ينهي الحرب على أسس من “التوافق العادل” بين الطرفين دون حيف أو ممالأة لأي منهما، وهذا ما دلل عليه البيان الختامي الذي أثار غضب وخيبة أمل الأسد ونظامه وحلفائه الإيرانيين، فيما لاقى استحسانا من الأمم المتحدة والأتراك، وإن كان لم يرض بالقدر الكافي المعارضة.
يضاف إلى ذلك إثبات قدرة الفاعل الروسي على الجمع بين السوريين “المتضادين” في مؤتمر أو تحت سقف واحد، وكسر الحاجز الفيزيائي بين النظام والمعارضة، أولا على المنصة التي جمعت طرفي نقيض من قيادات المجتمع السوري، أو في القاعة التي غصّت بجموع الطرفين والنجاح بضبط إيقاعهما.. إيقاع الصيحات من هذا الطرف أو ذاك، سواء بتمجيد روسيا من قبل أنصار النظام “المفطومين” على حب التمجيد وديدنهم فيه، أو نقد روسيا وكيل الاتهامات لها من قبل مشاركين معارضين صادف أنهم من كتلة أحمد الجربا، الذي كان أبرز قادة المعارضة في المؤتمر. فضلا عن ضبط إيقاع كل المعارك الصغيرة الجانبية التي فاز بها المعارضون “المئة” على المؤيدين “الألف وأربعمائة” بسبب انحياز “الحكم” الروسي للأقلية الحاضرة على حساب الأكثرية.
البرقية الثانية: تهديد قوي وصريح من روسيا للغرب ولكل المتدخلين بالشأن السوري أن حالة العطالة والمراوحة في جنيف يجب كسرها فورا وإلا.. وإلا فإن هناك خيارات جاهزة ومعدّة سلفا، ومؤتمر سوتشي “بروفة” لها، ومع أن التهديد الروسي لم يبدو جديًّا، أو حتى الآن هو ليس كذلك، فقد حرص عميد الدبلوماسية الروسية “سيرغي لافروف” على طمأنة استيفان دي ميستورا والتأكيد له بأن سوتشي لن يكون مسارا موازيا لجنيف، بل هو عامل مساعد، هدفه تحريك المياه الراكدة، خصوصا فيما يتعلق بكسر الحاجزين الصلبين اللذين يتمترس خلف أحدهما النظام، الرافض للعملية السياسية الأممية برمتها ويحضرها مرغما أو مناورا لإطالة أمد الأزمة قدر المستطاع عله يظفر بنصر (مستحيل) يعيد السوريين لبيت طاعة الأسد، وتتمرتس خلف الثاني المعارضة التي تريد تحقيق الحد الأدنى من مطالب الثورة السورية التي يقف “العالم” بأسره ضدها وضد أي ثورة شعبية، ليس فقط في سوريا، بل في كل مكان وضد أي نظام هو جزء من منظومة دولية قواعد اللعب فيها محفوظة وتنفّذ بدقة من كل الأطراف التقليديين، وتغيّر أي طرف أو استبداله سيخلّ لاشك بالقواعد الموضوعة والخطوط المرسومة ويعرض مصالح الجميع للخطر.
برقية أخرى: تجميل صورة روسيا.. فمنذ أيلول 2015 (على الأقل) كشّر الدب الروسي عن أنيابه لصالح بشار الأسد ونظامه، وحصدت موسكو نجاحات هائلة على الأرض ونجاحات أخرى سياسية كلاعب دولي رئيسي في الشرق الأوسط وصراعاته وربيعه العربي، الأمر الذي أكسبها عداوة وكراهية من قطاع كبير من الشعب السوري وشعوب أخرى في المنطقة، ليأتي مؤتمر سوتشي كبداية وكمحاولة لجسر الهوة السحيقة التي صنعتها بتدخلها السافر في سوريا لصالح “مجرم حرب” نكاية بالغرب وبأمريكا تحديدا، بسبب ضغط واشنطن وحلفائها الأوروبيين وعقوباتهما التي سببت وتسبب معاناة مؤلمة وملموسة للدولة الروسية.
بطبيعة الحال قد لايحقق مؤتمر سوتشي الكثير على هذا الصعيد الآن، ولكنه خطوة في هذا المسار ستتبعه لاحقا خطوات، منها على سبيل المثال ما (سُمِح) لإبراهيم كالين، المتحدث باسم الرئاسة التركية، أن يقوله عندما كشف أن فلاديمير بوتين شخصيا قال لرجب طيب ردوغان أنه “ليس متزوجا من بشار الأسد”، أي أن العلاقة بين الرجلين ليست ارتباطا أرثوذكسيا، وإنما هي علاقة تقوم على هدفين:
الأول: أن روسيا لا تريد لسوريا أن تصبح دولة فاشلة بمؤسسات منهارة.. المؤسسات التي أرساها حافظ الأسد وكرّسها من بعده ابنه لتدور في فلك الرئيس وخيوطها ممسوكة بيده ويتحكم هو فقط بكل مقادريها، والتي من المؤكد ستنهار بغيابه أو رحيله وستتحول بعضها، وخصوصا الجيش والأجهزة الأمنية لعصابات أو مليشيات غير منضبطة، وستشهد سوريا حينئذ حالة من الفوضى تفوق ما حصل حتى الآن خلال سبع سنوات مضت، بل سيمتد خطرها لخارج الحدود كما توعد بذلك وليد المعلم وأحمد حسون وصرح بذلك متحدثون باسم النظام من شريف شحادة إلى طالب إبراهيم، وغيرهم كثير في سوريا، بل وفي لبنان أيضا من “شلة المقاومة والممانعة”، ابتداءا بحسن نصر الله وليس انتهاءا بوئام وهاب.
والثاني: ضمان مصالحها التي باتت تقوم على ما أجبرت نظام الأسد وحكومته على إبرامه من اتفاقيات ومعاهدات تضمن هيمنتها على جزء من سوريا وتواجدها في مياه المتوسط لعقود قادمة.
هذه الرسائل وغيرها.. يجب أن لا تغيب عن ذهن السوريين بطرفيهم، ولا عن المتدخلين الآخرين بالقضية السورية بأطرافهم وأقطابهم، وعلى الجميع التعامل مع الواقعية الروسية في سوريا على أسس التشارك والتعاون وصولا إلى حل وسط، وليس المواجهة أو المعاندة لتستمر حالة الجمود إلى مالانهاية، لا خاسر فيها إلا الشعب السوري وثورته وتضحياته.

شامل عطايا

كاتب ومترجم سوري مقيم بألمانيا

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *