وقائع الثورة السورية من بيت دايانا دارك في دمشق

المستشرقة البريطانية ديانا دارك في بيتها في دمشق

لم تتوقع الكاتبة البريطانية المستعربة دايانا دارك وقوع حرب في سوريا. لكنها بعد اشتعال الثورة السورية انحازت إليها وسجلت بعض الأحداث في كتابها “بيتي في دمشق” الصادر في طبعة ثالثة عن دار “هاوس” في لندن، كتاب تروي فيه بأسلوب ممتع قصة شرائها “بيت البارودي” في قلب دمشق، وتستعرض تفاصيل كثيرة عن البيروقراطية السورية، وعن مؤسسات الدولة الغارقة في الفساد ومعاناة السوريين.
بدأت رحلة دارك السورية ووقوعها في حب هذا البلد خلال رحلاتها المتكررة إليه عندما كانت تدرس العربية في معهد شملان المعروف في لبنان بـ”مدرسة الجواسيس”، إذ كان يخرِج مستعربين يعملون لمصلحة “مركز الاتصال البريطاني” في تشيلتنهام. ويقدمون خدماتهم إلى مؤسسات حكومية وخاصة. وتبدو من كتابها ومن مؤلفاتها الأخرى أنها مطلعة على الثقافة العربية الكلاسيكية التي يدرسها المستشرقون لفهم مجتمعاتنا. فهي تعود إلى ابن عربي وابن خلدون والغزالي، كمثال على التصوف والتسامح الديني في سوريا. وتستعير من الغزالي مثاله عن حرية الاختيار التي يقع فيها الناس مشبها المتردد بحمار جائع وضعوا أمامه جزرتين على مسافة واحدة فاحتار أيهما يأكل، وانتهى به الأمر أن مات جوعا. تأخذ هذا المثال لتقول إن أكثرية السوريين لا يستطيعون الاختيار بين “قمع النظام” و”إرهاب المسلحين” فيموتون قتلا في مكانهم.
ولأنها أحبت سوريا وتريد أن تكتب قصة “ثورتها بعيدا من سطحية وسائل الإعلام” ربطت الحروب الدائرة فيها بالتاريخ، فعادت إلى تيمورلنك وشبهت قوات الأمن الحالية بعسكر المماليك الفاسدين الذين كانوا يظلمون الناس ويجمعون الخوات ويزجون بهم في السجون ويقتلون كل من يعصى أمرهم، كأن تاريخ القمع في سوريا مستمر عبر العصور، وقد اندلعت الثورة الحالية لتصحيح مسيرة هذا التاريخ والدخول في جنة الديموقراطية.
لا تخفي دارك انحيازها إلى الثورة السورية، وتسجل في كثير من الإعجاب بعض محطاتها محملة النظام مسؤولية تحولها إلى حروب دينية- طائفية، إذ تأخذ بالرواية السائدة في الصحف ومفادها أن الأسد أطلق زعماء تنظيم القاعدة من السجون كي يبرر تشكيل عصابات الشبيحة لقمع الثورة. وتستخدم كلمة ghost بالإنكليزية مقابل “شبيحة”، وفي هذا خطأ في الترجمة وفي إيصال معنى الكلمة.
وفي روايتها لتحول الثورة السورية إلى حروب طائفية تمر على شيء من تاريخ سوريا الحديثة فتسرد كيف وصل الأسد الأب إلى الحكم وكيف تسلم الابن السلطة بعد موته، والآمال التي عقدها الناس على وصول هذا الشاب إلى سدة الرئاسة ليخيب أملهم في ما بعد، خصوصا طريقة تعاطيه مع “الثوار” وإصراره على قمع التمرد بالقوة، بدلا من لجوئه إلى الإصلاح، مخيبا توقعات الغرب باعتباره درس الطب في بريطانيا. وعندما تتطرق لضرب مبنى الأمن القومي في دمشق وقتل قادته تسجل “إشاعات” (بتعبيرها) مفادها أن النظام سلح الشيعة في حي الأمين فاضطر السنة إلى تسليح أنفسهم بالهراوات والسكاكين للدفاع عن أنفسهم لكن لا هؤلاء اضطروا إلى استخدام أسلحتهم البيضاء ولا أولئك هاجموا أحياءهم، على ما تؤكد.
وتتبنى دارك وجهة النظر الغربية المعادية لنظام بشار الأسد فتلوم الأطلسي لأنه تراجع عام 2013 عن ضرب دمشق انتصارا للثورة. وتقول: “لو تدخل الغرب في المراحل الأولى كما فعل في ليبيا لأمكن له أن يضع الثورة في مسارها الصحيح من خلال دعمه الجيش الحر، وبدلا من ذلك خلق فراغا في السلطة سرعان ما ملأه المتطرفون الإسلاميون”.
كتاب دارك، رحلة في تاريخ سوريا وحاضرها، رواية ممتعة، أضفت عليها ثقافتها الواسعة واطلاعها على التاريخ الإسلامي بعدا قل ما نجده في الروايات الأجنبية والعربية، خصوصا سلاسة انتقالها من التراث إلى المعاصرة، على رغم التعسف في هذا الانتقال أحيانا وتأبيد الماضي، كأن وضع السوريين في عهد المماليك ما زال مثلما كان. أو كأن هذا الماضي لم يمض، خصوصا عندما تسيس الرواية متبنية ما أخذت على نفسها الابتعاد عنه في مطلع الكتاب عندما قالت إنها لن تقع في سطحية وسائل الإعلام وستقدم ما هو مختلف.
مصطفى زين – صحيفة الحياة اللندنية

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *