الغوطة الشرقية “الخاصرة الرخوة” لدمشق

الدفاع المدني ينقذ المصابين بقصف جوي على عربين بالغوطة الشرقية

تشكل الغوطة الشرقية لدمشق “الخاصرة الرخوة” لقوات النظام السوري وحلفائه من المليشيات الأجنبية التابعة له منذ سنوات، مع صمود فصائل المعارضة فيها وقدرتها على رغم الحصار المحكم على استهداف العاصمة، ما يرجح وفق محللين، توجه قوات الأسد وحلفائها لحسم عسكري في المنطقة بعد انتصارات على جبهات أخرى.

وتحظى هذه المنطقة المحاصرة بشكل محكم منذ عام 2013، بأهمية مزدوجة لدى الفصائل المعارضة كونها آخر أبرز معاقلها، وكذلك لدى قوات النظام التي تسعى لضمان أمن دمشق، بعدما تمكنت من استعادة السيطرة على أكثر من نصف مساحة سوريا بعد التدخل الروسي في أيلول/سبتمبر 2015.

وتكثف قوات النظام قصفها على بلدات الغوطة الشرقية ومدنها منذ سنوات وارتفعت وتيرته قبل أسبوع، ردا على هجوم شنته فصائل المعارضة على مواقعها الحصينة في إدارة المركبات العسكرية قرب مدينة حرستا وتدور معارك عنيفة بين الطرفين أسفرت عن مقتل المئات من قوات النظام بينهم ضباط كبار.

ويقول مدير أبحاث الشرق الأوسط في جامعة أوكلاهوما، جوشوا لانديس، لوكالة فرانس برس: إن “استمرار مقاومة فصائل المعارضة في الغوطة الشرقية بات مسألة محرجة وعبئا كبيرا على نظام الأسد، كونه يقدم نفسه المنتصر في الحرب ويأمل في اقناع المجتمع الدولي بأنه يواجه معارضة لا تذكر موزعة على جيوب في مناطق محدودة”.

واستعادت قوات النظام تدريجيا منذ عام 2015 زمام المبادرة ميدانيا بعدما تمكنت من إلحاق هزائم بالفصائل وتنظيم داعش. ولعب التدخل العسكري الروسي إلى جانبها دورا حاسما في ذلك، وغالبا ما تنفذ الطائرات الروسية غارات على بلدات الغوطة الشرقية ومدنها.

ويوضح مدير المرصد السوري لحقوق الإنسان، رامي عبد الرحمن، في تصريح لفرانس برس، أن “الغوطة الشرقية هي فعلا الخاصرة الرخوة للنظام، لأن الفصائل الموجودة فيها قوية وتهدد دمشق بشكل مباشر”. ويشدد لانديس كذلك على أن “الفصائل في الغوطة لا تزال قادرة على شن هجمات على دمشق، معكرة صفو هدوء العاصمة”.

وتسيطر فصائل المعارضة على أكثر من مئة كيلومتر مربع من الغوطة حيث يعيش في تلك المناطق المحاصرة، وفق الأمم المتحدة، حوالي 400 ألف شخص. وأوقعت الغارات الكثيفة والقصف الذي يستهدفها آلاف القتلى والجرحى منذ اندلاع الثورة عام 2011، وفق المرصد.

وعلى رغم ذلك لا تزال الفصائل المعارضة قادرة على استهداف دمشق بالقذائف التي حصدت مئات القتلى أيضا خلال سنوات، وإن كانت وتيرتها تراجعت مع استرجاع النظام مناطق واسعة في ريف العاصمة وتمكنه من عزل الفصائل.

وبعد اقرار اتفاق خفض التصعيد الذي يشمل الغوطة، تراجعت وتيرة القتال والقصف لفترات محددة، قبل أن يتعرض الاتفاق لانتهاكات كبرى آخرها قبل أسبوع. وتسبب الحصار أيضا بحالات سوء تغذية حادة وبنقص في الخدمات الطبية الاولية، كما تحذر منظمات دولية بإنتظام من مأساة انسانية حقيقية في المنطقة.

وعلى رغم تفاقم معاناة المدنيين المحاصرين، لا يزال لدى الفصائل المعارضة والاسلامية “حاضنة شعبية”، حيث إن الآلاف من المقاتلين فيها من أهالي المنطقة حسب عبد الرحمن.

ويعد “جيش الإسلام” الفصيل المعارض الأقوى في المنطقة ويسيطر على الجزء الأكبر منها ويشمل مدينة دوما ومحيطها وبلدات النشابية ومسرابا وسواها، كما شارك هذا الفصيل في اتفاق خفض التصعيد كما أنه ممثل على طاولة المفاوضات في جنيف.

كما يسيطر “فيلق الرحمن” ثاني أكبر الفصائل في الغوطة على ما يسمى القطاع الأوسط الذي يضم مدنا عدة أبرزها عربين وحمورية ومديرا. أما هيئة تحرير الشام التي تقودها جبهة فتح الشام أو جبهة النصرة سابقا، فوجودها محدود في هذا القطاع ويقتصر على بعض المقرات.

وتنفرد “حركة أحرار الشام الإسلامية” من جانبها بالسيطرة على مدينة حرستا ومحيطها على أطراف الغوطة الشرقية من جهة دمشق. وتخوض منذ أسبوع الى جانب فيلق الرحمن معارك عنيفة ضد قوات النظام تمكنت خلالها من حصار ادارة المركبات، القاعدة الوحيدة للنظام في الغوطة الشرقية.

ويتوقع المحلل المتخصص في الشأن السوري في مؤسسة “سنتشوري” للأبحاث “سام هيلر” في تصريحات لوكالة فرانس برس أن “يصعد النظام عملياته لرد هجوم الفصائل واستعادة تلك المنقطة، مهما كلفه الأمر من قوات وتعزيزات”، فيما أفادت وسائل إعلامية سورية في اليومين الأخيرين عن تعزيزات للجيش وصلت إلى المنطقة للمشاركة في القتال ولكنها ووجهت بمقاومة شرسة وتكبدت خسائر فادحة في الأرواح والعتاد.

ويشير لانديس إلى “إعادة تموضع قوات الأسد للقتال في حماة والغوطة الشرقية بعد إلحاق الهزيمة بداعش في شمال سوريا وشرقها”. وإذا كان مسار الأمور يتوجه وفق هيلر “نحو حسم عسكري لصالح النظام في مناطق سيطرة “فيلق الرحمن” و”أحرار الشام” و”الهيئة” فإن واقع الحال مختلف في مناطق سيطرة جيش الإسلام”.

ويمثل هذا الفصيل “قوة عسكرية لا يستهان بها ويسيطر على كتلة سكنية كبيرة من الصعب على النظام هضمها” بحسب هيلر. كما أن من شأن “انخراطه في محادثات جادة مع الجانب الروسي أن يؤدي إلى حل تفاوضي يبقيه في مكانه بعد تقديم تنازلات معينة”.

ويشكل إبعاد خطر الفصائل عن دمشق أولوية للنظام، وهو ما قد يكون دفعه إلى الموافقة موقتا على اتفاق خفض التصعيد الذي يتوقع لانديس أن يتلاشى تدريجيا في الأسابيع المقبلة. ويقول “حتى الآن، فضل الأسد تجويع الغوطة وقصفها بدلا من إطلاق هجوم مكلف”.

وأدت “سياسة التجويع” إلى استسلام مناطق عدة في ريف دمشق وغيرها من المحافظات خلال السنوات الأخيرة. وفي الإطار ذاته، يتوقع لانديس “زيادة الضغوط على فصائل الغوطة الشرقية لدفعها إما الى الاستسلام أو الموافقة على مصالحة أو الترحيل إلى إدلب”.

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *