متى سنرتاح من إعلانات النصر التي صدع بها الأسد وحلفاؤه رؤوسنا؟!

جنود من الجيش العربي السوري يعلنون الانتصار

لايكف النظام السوري وحلفاؤه عن تصديع رؤوسنا بإعلانات النصر التي لا تنتهي على قوى المؤامرة والإرهاب التي نهشت جسد سوريا وحولته إلى مستنقعات وأقاليم تتقاسم السيادة عليها عدة أنظمة ليس بينها نظام الأسد على الإطلاق.
إعلانات النصر هذه بدأت حتى قبل اندلاع الثورة السورية نفسها عندما اعتقد الأسد أن فشل أول دعوة للخروج ضده في 15 شباط 2011 كانت نصرا تاريخيا مؤزرا، ومثلها إعلانات النصر مع كل قرية يدخلها الجيش العربي السوري بعد قتل جزء من أهلها وتشريد جزئهم الباقي وتدميرها وضمها لقائمة التراث الحضري السوري.
يفعل النظام وحلفاؤه ذلك دائما بانتظار بارقة أمل تأتي عبر تصريح من البيت الأبيض أو الإليزيه أو غيرهما من مراكز القرار الدولي بمباركة هذا النصر واعتماده كخاتمة لجهود قوات النظام وحلفائه في القضاء على المعارضة المسلحة المتطرفة الإرهابية الوهابية…، واعتبار الخسائر الجانبية التي أدت إلى هذا النصر الحاسم خسائر (مبلوعة) ويمكن هضمها وتمريرها في سبيل الهدف الأسمى المتمثل بتخليص العالم من سرطان المجموعات الإسلامية المسلحة المتطرفة التي تمثل (بعبعا) لم يستعد العالم بعد للتعامل معها بندية، ويعتبرها خطرا على منجزاته الحضارية والثقافية الحداثية التي عملها عليها لعشرات القرون.
كما تمثل هذه الإعلانات ذريعة لحلفاء نظام الأسد تبرر تورطهم لصالحه في سوريا، وأن ما بذلوه من أرواح وأموال لم يذهب سدى، وأن خوضهم في المستنقع السوري مبني على أسس راسخة ورؤى مستبصرة لا علاقة لها باستعادة الأمجاد التاريخية التي مر عليها الزمن.
ومع أن هذه الانتصارات قد تحققت، بحسب مطلقيها، على المؤامرة التي يقودها الغرب متمثلا بالولايات المتحدة وأوروبا وتركيا وبعض الدول العربية، إلا أنها (أي هذه الانتصارات) تبقى رهينة مباركتها من نفس الحلف الأمريكي الأوروبي التركي العربي، وهي مباركة مازالت بعيدة عن تشنيف آذان حلف مقاومة المؤامرة وممانعتها.
والعجيب في هذه المعادلة (الصفرية/العدمية) التي ينغمس فيها الأسد وحلفاؤه ولا يجدون لها حلا (واحدا/صحيحا) حيث يطالبون أعداءهم بمباركة انتصارهم عليهم والبناء على هذا الانتصار قبولا بواقع فرضه ذلك النصر المزعوم، وإعادة المياه لمجاريها مع هذا النظام وتجاهل كل هذا المستنقع المشوب بالدماء والممتلئ برفات الضحايا والمفعم بالكراهية والعدائية.
في المقابل أيضا، وعلى صعيد المعارضة والثورة يأتي تأخر النصر بسبب تآمر حلف “أصدقاء الشعب السوري” وعدم منح الدعم الكافي سياسيا وعسكريا، مع إرخاء الحبل لحلفاء النظام أن يهيموا كيف شاؤوا في سوريا دعما للأسد وضمانا لمصالحهم وتحقيقا لأحلامهم، وأنه لولا البرود واللامبالاة وعدم الوعي بمخاطر مشاريع حلفاء النظام (روسيا وإيران) لاستعادة أمجاد القيصرية والكسروية على حساب مشاريع الهيمنة الغربية المستمرة منذ أكثر من مئة عام، وعلى حساب مشروع تحرر عادل ومنصف لهذا الشعب التائق لبناء دولة حديثة يسودها القانون وتحقيق الفرص العادلة لكل أبنائه.
ولكن الواقع يقول (وهو ما لا تريد المعارضة التسليم به) أن “أصدقاء الشعب السوري” ممن يتعتبرون أكبر داعم للثورة السورية لا يريدون ولا يرغبون وليس من مصلحتهم انتصار هذه الثورة وتغليب هذه المعارضة، وأنهم يعتبرون ما سينتج عن كسر شوكة النظام وحلفائه أمرا لا يمكن التنبؤ بتبعاته والاستفادة من مخرجاته، فالحرية والكرامة التي ينشدها السوريون من حراكهم السوري ونشاطهم السياسي المعارض لا يمكن ضمان أن تنعكس بالإيجاب على مصالحهم وتوجهاتهم، فبناء دولة حديثة سيدة على أسس ثورة شعبية تبني قطيعة تامة مع الفساد والاستبداد وسط محيط متخلف سياسيا وثقافيا واقتصاديا، لا ينذر بخير لهذا المحيط المراد له أن يظل على رجعيته وانحطاطه وتبعيته سواء من القوى الدولية الخارجية أو من قوى الأنظمة الحاكمة السائدة.
وسيبقى الحال على ما هو عليه من الصداع المزمن الذي تسببه لنا إعلانات انتصارات النظام، إلى أن يتحقق أمل النظام في حدوث معجزة (ليست مستحيلة) تطيح بصمود حلف الشعب السوري في مواجهة ترسيخ وثبات لصمود حلف النظام في سوريا، وهو أمل ممكن دلل عليه فشل العقوبات الغربية على روسيا وإيران في زعزعة نظاميهما الحاكم وقلبهما، فيما غادرنا معظم الرؤساء وتغيرت معظم الأنظمة الحاكمة في دول أصدقاء الشعب السوري منذ اندلاع الثورة حتى اليوم. فالأنظمة الدكتاتورية يشتد عودها ويصلب مع تشديد الحصار لقدرتها الهائلة على قمع أي حالة تذمّر أو تنمّر، على عكس الأنظمة الديمقراطية الهشة أمام أي عاصفة حتى من الدرجة الأولى تصيب الاقتصاد أو الأوساط السياسية لما لقوة الرأي العام ولتأثيره على واقع السياسة وشخوصها ومؤسساتها.
ولكن هذا ليس كل شيء، فالسياسة الدولية لاتحكمها المصالح فقط، والعامل الأخلاقي لايزال فتيا مقاوما في سبيل الوصول إلى سدة تحريك النظام الدولي، وهذا العامل لايزال هو المبرر الأول لدعم قوى المعارضة والثورة في سوريا، وإن كان هذا العامل ضعيفا ومشكوكا فيه ومتقلبا بالنسبة للغرب فإنه يظل الأقوى والأثبت والمتيقن بالنسبة للحلفاء العرب والحليف التركي ومعهما تيار عريض من قوى مناصرة العدالة الإنسانية والحقوق في العيش الحر الكريم والقصاص ممن تلوثت يده بدماء مئات آلاف الأبرياء وتدمير حاضر ومستقبل شعب بأكلمه ودولة بأكملها.

شامل عطايا

مترجم وكاتب سوري مقيم بألمانيا

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *