لعبة القط الأمريكي والفأر الإيراني في البيت الشرق أوسطي

علي خامنئي دونالد ترامب

تقلبات المشهد السياسي ومياعة مناطق النفوذ وموازين القوى في الشرق الأوسط تثير تساؤلا مهما لدى أي قارئ ومتابع مفاده: هل السياسة الأمريكية جادة في تقويض النفوذ الإيراني في الشرق الأوسط، وفي العمل على افشال مشروع الهلال الشيعي، أم أن مواقفها العملية هي اثبات واضح لعكس ما تزعمه وتدعيه في تصريحاتها العلنية؟
ما جرى ويجري في العراق وسوريا واليمن ولبنان هي خير مفاتيح للإجابة على السؤال الآنف، لكننا سنكتفي بالعراق وسوريا فهذين المثالين يفيان بتقديم صورة واضحة حول حقيقة التواطؤ الأمريكي -الايراني في إعادة هيكلة الشرق الأوسط بطريقة تُسهّل اجندات مشروع الهلال الشيعي.
فبعد سقوط صدام عملت أمريكا ما بوسعها لتسليم مقاليد السلطة الى شيعة العراق، ممن يدينون بولائهم المطلق للمرجعة المذهبية في قم إيران وليس نجف العراق. حيث تجل النفوذ الايراني في العراق بفترة حكم المالكي بشكل واضح، وبلغت ذروتها بانسحاب الجيش الأمريكي من العراق في ٢٠١١ بضغط إيراني واضح ليتحول العراق إلى عمق استراتيجي إيراني إضافي تمد من خلاله أذرع ونفوذ فيلق القدس من طهران نحو العواصم العربية، مصدرة الحرب والخراب والتشيّع.
استمر الحال في العراق على ما هو عليه حتى مجيء داعش، الذي استطاع السيطرة على اغلب مناطق السنة في العراق ومنها المناطق المتنازع عليها بين اقليم كردستان وحكومة المركز في بغداد، وذلك بتواطئ فاضح من قبل حكومة المالكي واولياء امره في طهران. لكن قوات البيشمركة تمكنت من دحر التنظيم المتطرف وبسط سيطرتها على اغلب المناطق المتنازع عليها، حتى ان انتهت عملية الاستفتاء في إقليم كردستان في الخامس والعشرين من أيلول الماضي، لتجد إيران وأذرعها العراقية في الاستفتاء ذريعة كافية لإتمام عملية قضم العراق، وخصوصا المناطق الكردستانية الغنية بالنفط وتحويل تلك الجغرافيات الى معابر مفصلية تتوج الانجاز الجيوسياسي لتفاصيل مفهوم الهلال الشيعي.
كل متابع يدرك بان العبادي وميليشيات الحشد الشعبي لم يكن ليستطيعوا السيطرة على كركوك وحقولها النفطية بتلك السهولة دون دعم مباشر من حرس الثورة الايراني وبدون الحصول على ضوء اخضر من الأمريكان. بينما المفارقة الأكبر التي تواجه المتابع هي تزامن احداث السيطرة على كركوك بتصاريح نارية أطلقها البيت الأبيض في الخامس عشر من أكتوبر الماضي ضد إيران والتزاماتها بالاتفاقية النووية، وذلك بإعلان دونالد ترامب عن سلسلة من الاجراءات العقابية لتجفيف مصادر التمويل لميليشيات فيلق القدس. بالمقابل تتالت تصريحات المرجعيات الإيرانية: “بان بسط السيطرة على نفط كركوك كان ضرورة تاريخية كي لا تذهب عائداته الى أعداء الثورة الايرانية”، واستكمالا للمشهد تذرعت الحكومة العراقية بعدة حجج، لإيقاف استخراج وتصدير نفط المنطقة عبر أنبوب كركوك- جيهان التركية، فيقوم ايران بتنفيذ مشروعه المُعد مسبقا بمد انوب لنقل نفط كركوك الى ايران، أي تحويل عائدات النفط العراقي الى مصدر تمويل إضافي لإيران وميليشياتها، تلك الميليشيات التي تدعي أمريكا بانها ستجفف مواردها المالية.
كل مهتم بالعملية السياسية في العراق يدرك بان العبادي هو الحلقة الأضعف في موازين المعادلة الشيعية العراقية وهو الشخص الأقل شعبية، وكافة المحاولات الامريكية لتسويق العبادي إقليميا، والترويج لزياراته المكوكية الى دول الجوار وعقد اتفاقيات ثنائية مع المملكة السعودية، وغض الطرف عن استعانته بالحشد الشعبي، وتحديدا فصائل منه مدرجة تحت قائمة الإرهاب لأفشال مشروع الاستفتاء الذي جرى في إقليم كردستان، لن تاتي اكلها بل بالعكس لها مردود عكسي سلبي. تلك الخطوات لن تجدي نفعا في تقوية جبهة العبادي داخليا وإعادة العراق الى محيطه العربي الطبيعي، ولن تؤدي الى تقويض النفوذ الايراني وتغيير موازين القوى في العملية السياسية العراقية، كما ان تلك الخطوات لن تحول العبادي الى بطل قومي يلتأم حوله صدع البيت العراقي، بل انها في المحصلة تخدم تفاصيل مشروع الهلال الشيعي وكما نوهنا آنفا تغذي مصادر تمويل الميليشيات القائمة على تنفيذ المشروع، ونتائجها واضحة في توسع رقعة الهيمنة الإقليمية الايرانية على حساب نظيره السني، هذا الواقع ينسف في الوقت نفسه مزاعم الولايات المتحدة، في الحد من النفوذ الايراني وتجفيف تمويل اذرعه ” الارهابية”.
وفي سوريا ومنذ بدأ الثورة في عام ٢٠١١، تواطئ الامريكان وتخاذلوا بتعمد أمام خطط النظام بعسكرة الثورة. ورغم التصريحات المتكررة بدعم مطالب الشعب السوري، والخطوط الحمراء المعلنة، لكن الامريكان اكتفوا بالمطالبة بتنحي الأسد، الذي اعلنوا فقدانه للشرعية مرارا، بينما على ارض الواقع كانوا يراقبون ميليشيات حزب الله وعصائب أهل الحق والحرس الثوري الإيراني كيف تعيث فسادا وتتفنن في قتل الشعب السوري وكيف تغير ديموغرافية سوريا دفاعا عن الأسد وطائفته، دون تحريك ساكن، على طول الست سنوات لم يقدموا للثورة السورية سوى دعم خجول ومتردد لبعض فصائل الجيش الحر،اما بعد انشقاق داعش عن جبهة النصرة واعلانه عن دولته المزعومة في سوريا والعراق، فقد اختزلت المواقف الامريكية في دباجة واحدة مكررة وهي: محاربة الإرهاب والقضاء على داعش تحديدا هي على رأس اولويات واشنطن، أما اللوحة من زاوية أخرى تظهر مشهدا أكثر قتامة.. فقد دأب الأمريكان على تنفيذ مخططات تمعن في إفشال الثورة السورية على عدة مستويات، أولها، تفتيت صفوف المعارضة السورية الحقيقية، تارة بإخضاع امرها لمشيئة دول اقليمية وعربية ومخططاتها، أو بلعب دور العراب لربط الأطراف المعتدلة بالتنظيمات المتطرفة أو بتجفيف كافة الخيارات البديلة الممكنة لإجبار المعتدلين على الهروب الى أحضان التنظيمات المتطرفة. على مستوى آخر كانت تبحث عن حليف داخلي يتمكنون من خلاله الامعان اكثر في تشتيت صفوف الثورة السورية، اذ وجدوا حينها ضالتهم في حزب الاتحاد الديمقراطي الكردي.
وعبر تحالفاتهم المبهمة مع الحزب استطاعوا تحييد قسم كبير من الكرد عن مقاومة النظام السوري مما شكل احدى عوامل الانهاك المهمة للثورة السورية، المستوى الثالث كان بالعمل على تفتيت ما تبق من فصائل الجيش الحر كما تزامنت هذه المرحلة مع التدخل الروسي العسكري المباشر، والذي تم دون اعتراض أمريكي يذكر.
تجلت هذه المرحلة أولا بقتل زهران علوش الذي كان يشكل خطرا جسيما على العاصمة دمشق، ومن ثم تتالت الدعوات لمؤتمرات أستانة التي أفرزت مفهوم مناطق تخفيض التصعيد، ليتسنى من خلالها للنظام السوري التفرغ لمهاجمة ديرالزور والسيطرة عليها وفتح خيار طريق الإمدادات الإيرانية إلى دمشق عبر معبر البادية السورية في محيط محافظة دير الزور.
جدير بالذكر ان التركيز على خيار البادية السورية كطريق لإيصال الامدادات من طهران الى دمشق تم تبنيه بعد فشل الخيار الاول، أي الطريق العابرة عبر أراضي كردستان العراق من طهران نحو دمشق، حيث كان الرئيس مسعود البارزاني قد رفض الطلبات الايرانية المتكررة منذ عام ٢٠١٢ لجعل أراضي كردستان العراق ممرا لقوافل الامداد العسكرية الايرانية لدمشق، منذ ذاك التاريخ وبدات محاولات طهران للي ذراع الرئيس بارزاني داخليا بهدف اجباره على قبول املاءات فيلق القدس لكن جميعها باءت بالفشل. الى ان شارك الفيلق ميدانيا ليستطيع هذه المرة السيطرة على كركوك. واضافة الى الأسباب المذكورة سابقا، التحرك الميداني لقاسم سليماني تنطوي أيضا على نزعة انتقامية من إقليم كردستان لرفضه المتكرر للانصياع للمطالب الايرانية في فتح أراضي كردستان العراق امام الامدادات العسكرية الايرانية، وما اصرار الحكومة المركزية في بغداد لبسط سيطرتها على المنافذ الحدودية بين إقليم كردستان وسوريا سوى عملية احياء للمشروع ذاته.
لا يمكن لعاقل ان ينكر بان المواقف الامريكية تجاه الثورة السورة قد قدمت خدمات جلية لبشار الأسد ونظامه وحلفاؤه، حيث انها عززت مزاعم النظام السوري امام الرأي العالمي في محاربة الإرهاب و” الازمة” هو صراع بين الخير والشر صراع بين قوات حكومية و” ارهاببيين “ولا وجود لما يسمى بثورة شعبية، اما ميدانيا فقد ساهمت واشنطن في إتمام مخطط الهلال الشيعي وترسيخ دعائمه ليتحول الى امر واقع راسه في طهران وذيله في بيروت باذرع تمر ببغداد ودمشق وحتى اليمن.
اما ورقة اليمن ومحاولة دفع المملكة السعودية للغوص في مستنقع الحرب هناك فقد ازكت ناره لسببين أساسيين أولهما كان محاولة استنزاف قدرات المملكة السعودية عسكريا واقتصاديا، حيث انها تبوأت موقع القطب الاكثر ثقلا في مواجهة التمدد الشيعي في العالمين العربي والسني في مرحلة ما بعد ثورات الربيع العربي، ثانيا لزعزعة الاستقرار الداخلي للملكة لإجبارها على إعادة النظر في قائمة أولويات امنها القومي والانكفاء عن لعب دور محوري في دعم الثورة السورية كدولة وطرف مهم جدا بين مجموعة “أصدقاء الشعب السوري”، لذلك نرى التحولات التي جرت في مواقف المملكة تجاه اسقاط نظام الاسد، خصوصا بعد استلام الملك سلمان لمقاليد الحكم، ففي الوقت الذي كانت فيه السعودية تقدم دعما سياسيا وعسكريا للمعارضة السورية المتمثلة بالإتلاف وفصائل الجيش الحر المعتدل، وبعد المضي في عمليات عاصفة الحزم ضد الحوثيين المدعومين إيرانيا..، أصبح سقوط بشار الأسد أمرا ثانويا بالنسبة للملكة السعودية.
التوسع الايراني وخروقات الحرس الثوري الايراني وفيلق القدس لسيادات الدول حدث ويحدث على مرأى ومسمع امريكا دون أن أي تدخل فعلي لأيقاف وتقويض هذا التمدد والدفاع عن امن ومصالح شركاؤها المفترضين من دول المحور السني، أما الان وبعد سيطرة قوات الحشد الشعبي وداعمها الأساسي أي فيلق القدس على مساحات شاسعة من أراضي كردستان العراق، خصوصا جبال شنكال( سنجار)، التي جعلت عواصم المنطقة من انقرة مرورا بالرياض وحتى تل ابيب تحت رحمة أهواء مدافع ايران البعيدة المدى، فقد آن الاوان لمراجعة الحسابات، لان الخطر الأكبر بات على مرمى حجر من حدائق دورنا. لقد بدأت ايران بالانتهاك العملي لحرمات الحليف الأضعف في المحور السني الشرق اوسطي، أي الكرد، ولم يسعفهم احد من الاشقاء، والسؤال هنا من هو التالي على قائمة النهم التوسعي الايراني ؟ سؤال مهم برسم الإجابة من قبل عقلاء القوم.
يلماز سعيد
نائب المنسق العام لحركة الشباب الكرد في سوريا

يوجد تعليق واحد على “لعبة القط الأمريكي والفأر الإيراني في البيت الشرق أوسطي

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *