الجعجعة الأمريكية في مواجهة الطحن الروسي

الرئيس الأمريكي دونالد ترامب

لم تكن مفاجئة تصريحات وزير الخارجية الأمريكي ريكس تيلرسون بخصوص مصير بشار الأسد إثر لقائه يوم الخميس 26/10/2017 في جنيف مع المبعوث الدولي الخاص إلى سوريا استيفان دي ميستورا، حيث قال بعبارة بسيطة وواضحة إن عهد أسرة الأسد يقترب من نهايته، وأن القضية الوحيدة التي يجب أن يضعها دي ميستورا نص عينيه تتمثل في كيفية تحقيق ذلك، مع التأكيد على حرص الولايات المتحدة أن تظل سوريا كاملة وموحدة ولا دور للأسد في مستقبل حكمها.

اعتدنا على هذه التصريحات الأمريكية منذ عام 2011 على لسان باراك أوباما ووزير خارجيته جون كيري، وكانت آنذاك فرص لإسقاط هذا النظام، الذي لم تعد ترغب واشنطن في بقائه واستمراره، في مراحل عديدة كان أقواها عند صدور بيان جنيف عن مجموعة العمل الدولية من أجل سوريا في حزيران/يونيو 2012 بموافقة الولايات المتحدة وروسيا وأعضاء مجلس الأمن الآخرين، والذي نص صراحة على قيام “هيئة حكم انتقالية تتولى كامل السلطة التنفيذية”.

لكن اللافت في تصريحات تيلرسون الأخيرة أنه أطلقها في الوقت الذي تبدو فيه بعض المواقف الدولية المؤثرة سواء في روسيا أو فرنسا أو بريطانيا أو حتى بعض الدول العربية الداعمة للمعارضة؛ أن ثمة خطة أو برنامج لإعادة تأهيل نظام الأسد، انطلاقا من الزعم بغياب بديل مناسب ومقبول، وأن هذا النظام هو الوحيد القادر على الحفاظ على وحدة سوريا، فيما الحقيقة والواقع يؤكدان أن الخريطة السورية بسبب هذا النظام وسياساته وممارساته أصبحت ممزقة إلى أجزاء بصورة مخيفة وغير قابلة للالتئام من جديد على الأقل في ظل المعطيات الراهنة اجتماعيا وسياسيا واقتصاديا، وأن هذه الأجزاء السورية (الأقاليم أو الجيوب) المتنافرة حد القطيعة يسيطر عليها متنفّذون محليون وخارجيون يتبعون روسيا وإيران وتركيا والولايات المتحدة وغيرها، فيما نظام الأسد هو الأضعف بعد استيلاء الروس والإيرانيين على مقاليد الأمور منه ووصل الحد أن يدير خبير روسي مطحنة في حمص وآخر للمعارك في دير الزور..

ولكن هناك واقع جلي أيضا يجب أخذه بالحسبان أن نظام الأسد رغم كونه الأضعف والأقل نفوذا على الأرض في سوريا، إلا أنه لا يزال، إلى جانب تنظيمات كداعش والقاعدة، الأقدر على ارتكاب المجازر وبث الرعب في نفوس السوريين. وما صور ضحايا الكيماوي في خان شيخون وزملكا، والنازحين في إدلب والركبان، والمتضورين جوعا في الغوطة الشرقية والغربية، والخراب الهائل في حمص والقصير وجوبر والبلدات الخاضعة لسيطرة المعارضة إلا دليلا على أن هذا النظام لا يمكن إعادة تدويره، شأنه شأن داعش والقاعدة بل أكثر، كما أنه لا يستحق البقاء في الحكم بعد كل ما ارتكبه من جرائم غير مسبوقة ليس في تاريخ سوريا بل في تاريخ العالم الحديث.

وكان لافتا كذلك في تصريحات تيلرسون أنها لا تتفق مع الاستراتيجية التي أعلنها الرئيس دونالد ترامب عقب تسلمه مقاليد الحكم في البيت الأبيض، والتي اعتبرت أن الأولوية الحالية أو المرحلية هي للحرب على تنظيم داعش والقضاء عليه وليس تغيير نظام الأسد بنظام سوري آخر، أيًّا كان هذا النظام. كما أن ترامب لا يبدو مستعدا أو مرتاحا لمواجهة أو مناكفة مع روسيا التي تعلن مناصرتها للأسد ودعم نظامه سواء عبر إعادة تأهيله أو ترتيب اتفاق بينهم وبين بعض المعارضة يضمن بقاءه إلى أبعد مدى ممكن.

كما أن تصريحات تيلرسون تختلف مع موقف سابق له هو شخصيا، كشفت عنه تقارير صحفية، عندما قال للأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريس في وزارة الخارجية بواشنطن حزيران/يونيو الماضي، أن الإدارة الأمريكية تركت مصير الأسد بيد روسيا لتقرر ما تشاء، وأن أولويتها تنحصر في القضاء على تنظيم داعش ومنع الأسد من تكرار استخدام الأسلحة الكيماوية، وحماية قوات التحالف وفصائل المعارضة والفصائل الكردية التي تحارب داعش والفصائل المتطرفة الأخرى.

وتبقى المعضلة أمام تيلرسون وإدارة ترامب في كيفية “إنهاء حكم أسرة الأسد”، مع كونهما يعرفان أنه كانت هناك “خمسون” طريقةً “سيناريو” لمواجهة نظام الأسد وصولا إلى إسقاطه تركها باراك أوباما في أدراج مكاتب البيت الأبيض ووزارة الخارجية والسي آي إيه، حتى قبل أن يهبّ خامنئي وبوتين لإنقاذه. كما أن تيلرسون المحتار في كيفية “إنهاء حكم أسرة الأسد” يعلم أن الجميع يدرك أن إيقاف الإدارة الأمريكية الحالية لدعم فصائل المعارضة وكتائب الثوار يزيد من هذه الحيرة، ولا يؤدي إلى بلورة رؤية واستراتيجية لهذه الكيفية التي تبحث عنها واشنطن (ولا تجدها).

وبالتالي فإننا ندور في فلك نفس حالة العجز والتردد التي كانت تكتنف الإدارة الأمريكية السابقة، الحالة التي سمحت للأسد بقتل وتشريد الملايين من السوريين، وترتيب مزيد من الأعباء والتعقيدات دوليا وإقليميا وداخليا في سوريا، فيما يبدو أن تصريحات البيت الأبيض وسيده والبنتاغون والخارجية وخبراء مراكز الدراسات والمسؤولين السابقين والحاليين كلها مجرد جعجعة وصخب إعلامي في مواجهة طحن روسي وإنْ كان بوسائل بدائية أو دون مستوى أن يحقق طموحات قيصر الكرملين وآمال مختار حي المهاجرين.

كما أن الإدارة الأمريكية للأزمة السورية تزج بقوى الثورة والمعارضة في خانة التصلب والتشدد وصولا إلى مزيد من التطرف الذي تدّعي واشنطن وحلفاؤها وموسكو وحلفاؤها و(جزر القمر وحلفاؤها) أنها تحاربه وتعمل على إنهائه.

وفشل واشنطن في كبح جماح موسكو في تعطيل الشرعة الدولية في مجلس الأمن الدولي والأمم المتحدة لصالح الأسد يفقد السوريين الثقة بالمنظومة الدولية ويسمح للمتطرفين بأخذ راحتهم في التجنيد والتمويل كونهم يقتاتون على تناقضات السياسة الدولية ويتمددون على حساب انحسار الاستراتيجيات الدولية المتناغمة المبنية على أسس ومبادئ الحقوق الإنسانية.
شامل عطايا
مترجم وكاتب سوري مقيم بألمانيا

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *