متى سيلطم جميع السوريين؟

اللطم

زمان الوصل – فؤاد عبد العزيز

حدثني مرة أحد السوريين المقيمين في لبنان، عن قصة تحوله إلى المذهب الشيعي قبل أكثر من عشرين عاما، على إثر خلاف اجتماعي اضطره للهرب إلى لبنان والاحتماء بجماعة حزب الله، فأخبرني أن التجربة الأولى المثيرة بالنسبة له، كانت عندما طلبوا منه أن يلطم على رأسه وصدره خلال عاشوراء.
وأضاف: على الرغم من أنني مارست كل طقوس التحول للمذهب الشيعي، من شتم للصحابة والخلفاء وسب النواصب، إلا أنهم ظلوا ينظرون إلي بعين الريبة كوني لم ألطم.
وكانوا خلال مناسبة عاشوراء وفي المناسبات الشيعية الخاصة، يتساءلون باستمرار فيما بينهم: ألم يلطم فلان بعد..؟ وكانوا يقصدونني .. وتابع: حتى أن زوجتي أخبرتني أن النسوة ينقلن لها تذمر أزواجهن مني وتشكيكهم بحقيقة تحولي للمذهب الشيعي، كونهم لاحظوا أنني كلما بدأ مشهد اللطم أنسل من بينهم راجعا إلى بيتي، ثم أخذت ترجوني أن ألطم، لأنهم ساعدونا ووقفوا إلى جانبنا في وقت عصيب من حياتنا. وبحسب ما أخبرني هذا الشخص، أنهم قدموا له دعما ماديا محترما، افتتح به محلا كبيرا للسجاد والموكيت، بالإضافة إلى أنهم زوجوه إحدى بناتهم، وتولوا الإشراف على تربية أبنائه، من خلال زجهم بالحوزات العلمية، ومن ثم تدريب ابنه الأكبر على حمل السلاح واستخدامه.
وتابع هذا الشخص حديثه، واصفا تنفيذه للضربة الأولى في عملية اللطم، فقال: كنت أنظر لمن هم حولي، فأجدهم يضربون أنفسهم بلا هوادة، بينما الدماء تسيل من وجوههم، وآثار الجنازير قد رسمت أخاديد على ظهورهم، فاستجمعت كل أحزاني، وتذكرت الأحداث التي اضطرتني لترك سوريا بشكل نهائي، ثم رفعت يدي إلى الأعلى ونزلت بها على صدري بكل ما أوتيت من قوة، وأخذت أكرر الحركة دون توقف، فاكتشفت أن المرء عندما يضرب نفسه لا يشعر بالألم كثيرا، وربما هذا يفسر، لماذا لا يضربون بعضهم البعض بدل أن يضربوا أنفسهم. ؟ وختم حديثه معي مختصرا رحلته بالتحول للمذهب الشيعي قائلا: “بصراحة لقد كسروا عيني بوقوفهم إلى جانبي، وبت الآن ألطم من قلب ورب”.
تذكرت حديث هذا الرجل معي، الذي مضى عليه سنوات كثيرة، بينما كنت أشاهد مشاهد اللطم في شوارع دمشق وحلب وبعض المدن السورية، وأكثر ما استرعى اهتمامي صراحة مشهد اللطم في حلب، كونها محافظة تعتبر بعيدة كليا عن هذا المشهد، بالإضافة إلى أن تركيبة حلب الاجتماعية، لمن يعرفها جيدا، لا تقبل أن يمارس هذا المشهد إطلاقا في شوارعها، وهي المحافظة التي تعرف بأنها خزان المذهب السني في سوريا .. فما الذي حدث، وكيف مر هذا المشهد على الحلبيين؟ والسؤال الأهم: هل شاركوا به أم راقبوه باستمتاع؟!
في الحقيقة، بت لا أستبعد شيئا من هذا القبيل، وأذكر منذ أكثر من عام وقبل أن ترجع حلب إلى سلطة النظام، حدثني أحد أقاربي هناك، وهو على ما يبدو أنه يوالي النظام، وحاول أن يخفي هذا الشيء أمامي، لكن لسانه زلّ عندما أخذ يمدح المجموعات الشيعية التي تقاتل إلى جانب النظام هناك، وبأنهم أقوياء ويضربون بيد من حديد .. لذلك، بالفعل لا أستغرب أن يكون الحلبيون المؤيدون للنظام قد شاركوا في عملية اللطم، وعلى فكرة، وهذا الكلام على مسؤوليتي، الكثير من الحلبيين لا يعرفون لماذا يلطم هؤلاء؟! والكثير منهم ربما اعتقد أن ذلك طقس رياضي مسلٍّ أو ملفت للانتباه.
بكل الأحوال، إذا استمر الوضع على هذا الحال، فإن السوريين جميعهم، سوف يلطمون، وهم لن يحتاجوا للكثير من التفكير كي يستحضروا مآسيهم، بل هي ماثلة أمامهم، وتستحق أن يلطموا أنفسهم، سواء تحولوا للمذهب الشيعي أو لم يتحولوا .. المهم ألا يلطموا بعضهم البعض..!!

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *