سوريا .. السلخ بعد الذبح

سوريا

زمان الوصل – فؤاد عبد العزيز

أشعر ببلادة شديدة وأنا أتابع الأخبار التي تتحدث عن دخول القوات التركية إلى إدلب، وكأن الخبر يخص دولة أخرى لا يربطني بها شيء، بينما أستغرب هذا السعار الإعلامي الذي يقوده أبناء الأقليات على الأتراك وعلى المعارضة، وبشكل لم يظهر في كتاباتهم عندما تدخلت روسيا وإيران وحزب الله ..!!

أوشك في مرات كثيرة أن أعلق على كتاباتهم، لكن في اللحظات الأخيرة أتراجع، وأتساءل بيني وبين نفسي: ما الفائدة وما الجدوى..؟!
وتابعت أيضا بقرف شديد، هجوم الإخوة الأكراد على السوريين المعارضين والنيل من كرامتهم وأعراضهم، لأن قسما منهم لم يؤيد استفتاء استقلال كردستان العراق، وقد أخذتهم النشوة بفائض القوة الذي منحهم إياه الدعم الأمريكي، ثم يتصل بي أحد الأصدقاء الأكراد، ويكيل لنا الاتهامات ويتوعدنا بأنه سيقيم دولته رغما عن أنوفنا، يحدثني وكأنني الناطق الرسمي باسم السوريين والعرب وجميع من يعارضون مشروع الدولة الكردية .. أستمع إليه حتى نهاية حديثه، لكن دون أن أرد عليه بشيء.. فما الفائدة وما الجدوى ..؟

واستمعت مؤخرا لفيديو للصحفي والسيناريست فؤاد حميرة وهو يتحدث عن المآسي التي حلت به بسبب موقفه المعارض للنظام، ثم يغمز من قناة أن أحد الداعمين رفض مد يد العون له في أحد مشاريعه المسرحية لأنه علوي، ويعبر عن مدى الجرح الذي سببه له هذا الأمر، ثم في اليوم التالي تكتب الصحفية والمذيعة علا عباس، نفس الفكرة، بأن الكثيرين رفضوا مساعدتها لأنها علوية، وتعبر عن انزعاجها وصدمتها للأمر .. أوشكت أن أعلق على كليهما وأن أقول لهما: الحمد لله أنكم أدركتم صعوبة ما كنا نتعرض له يوميا وعلى مدى أكثر من أربعين عاما.. لكني تراجعت عن التعليق .. فما الفائدة وما الجدوى..؟!

باختصار، أشعر بأن حسي الوطني والعروبي والإسلامي والإنساني والطائفي والعشائري والقبلي والعائلي، قد جرى استنزافه بالكامل على مدى السنوات الست الماضية، وأصبحت متهيئا لسماع أسوأ الأخبار دون أن يرف لي جفن .. لقد ذبحوا سوريا .. فما الفائدة من البكاء والصراخ على سلخها..؟!

أحسد أولئك، الذين لازالوا يحتفظون بطاقة من الإصرار، فلا يوفرون خبرا أو حدثا أو مناسبة إلا ويدلون بدلوهم فيها ..لا يتركون مجزرة إلا ويدينونها، ولا يدعون مظاهرة إلا ويشاركون فيها، ولا ينسون شهيدا إلا وينعونه .. فمن أين يأتون بكل هذا الكلام .. بكل هذا الإصرار .. ؟!

هذه الثورة أحيت أجمل ما فينا، وبنفس الوقت قتلت أجمل ما فينا.. وهي كذلك أظهرت أقبح ما لدينا … !

في الليل، باتت الصورة الوحيدة التي أتلذذ بها وتدخلني في دوامة النوم، هي صورة بشار الأسد وقد أمسكته بين يدي، أحاسبه انتقاما لكل عذابات السوريين، في استعارة لصورة الإله في الآخرة وهو يحاسب عباده المجرمين .. فأتخيله تارة يتقلب في نار السعير، وتارة أخرى، يستغيث، فيغاث بِماء كالمهل يشوِي الوجوهَ.

يا إلهي.. ! هل أصبحنا لا نرضى بدور أقل من الآلهة كي نشفي غليلينا وننتقم لأنفسنا من هذا المجرم..؟! أم أنه تعبير عن الشعور بالعجز والهزيمة..؟

في المنفى الذي أعيش فيه في أقصى الجنوب الفرنسي، كنت أول سوري يدخله قبل أكثر من أربع سنوات، واليوم أصبحت السوري الوحيد غير المعروف فيه، بعد أن أصبح عدد السوريين حوالي الثلاثين عائلة.. جميعهم يشتغلون على أنفسهم كي يبدوا مساكين.. إنهم مطحونون بمشاكل اللجوء والمساعدات الاجتماعية والتأمين الصحي المجاني والاندماج وأطفالهم الذين ما عادوا ملكهم …لكنهم عند المساء يقرؤون منشورات الأقليات وهي تخونهم لأنهم لم يعترضوا على التدخل التركي في إدلب، ويقرؤون بوستات الأكراد التي تتوعدهم بإقامة دولة على أنقاض بيوتهم المدمرة وناسها المهجرين، ويستمعون مثلي لفؤاد حميرة وهو يشكو ظلم الأكثرية له في الثورة لأنه علوي، ويقرؤون عن المجازر الكثيرة في الرقة ودير الزور.. كل ذلك يقرؤونه دون تتحرك عندهم مشاعر الغضب لسوريا أو على أحد..

هذا هو حال من يقيمون في أوروبا، فما بالكم بمن يقيمون على حدود الوجع وفي داخل القهر والعذاب .. ؟!

ارحمونا .. فنحن عزيز قوم ذل، وغني قوم افتقر، وضعفاء بين حملة السواطير من كل الاتجاهات.. لماذا تستكثرون علينا التنفس، مع أننا لم نعد على قيد الحياة..؟!

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *