بوتين .. القيصر المتوج على عرش السياسة الدولية في سوريا

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين

بعد أكثر من سنتين على التدخل الروسي في سوريا، باتت تتوضح الأهداف والدوافع لهذا التدخل العسكري، ولطبيعة وحجم الدور الذي تطمح إدارة الرئيس فلاديمير بوتين إلى لعبه في الشرق الأوسط، حيث تنظر روسيا إلى نفسها كقوة عظمى ولاعب أساسي على الصعيد الدولي، وأنه يجوز لها أن تمتلك حرية المناورة الاستراتيجية للتخلص من أعباء جبهاتها السياسية في أوكرانيا والقرم لتبادر إلى التقاط طرف خيط الفرصة التي منحها إياها نظام الأسد للتدخل لصالحه في مواجهة ما يكابده من الدعم الدولي (الغربي والعربي) الهائل للمعارضة والثورة السورية.
فمع اقتراب المواجهات بين فصائل المعارضة والنظام من الساحل السوري، وبدء استهداف المراكز العسكرية الحساسة في اللاذقية وطرطوس، صيف 2015، شعرت موسكو بأن التهديد قد اقترب من موطئ قدمها في المياه الدافئة على سواحل المتوسط الشرقية وأن قاعدتها البحرية الوحيدة توشك على الضياع للأبد.
وعمدت موسكو، منذ اليوم الأول لتدخلها في سوريا، إلى تركيز قواتها على تقوية قاعدة طرطوس البحرية وتوسعتها والاستحواذ على قاعدة حميميم الجوية، بما يعزز ويقوي حضورها العسكري في شرقي المتوسط ويؤهلها استراتيجياً للعب دور مؤثر وفاعل ليس في سوريا وحسب بل على مستوى المنطقة والعالم أيضا.
ومع الوقت تحولت روسيا عبر الاستراتيجية التي وضعها ونفذها الرئيس بوتين إلى لاعب أساسي في مسرح العمليات العسكرية، وضامن فعلي وحقيقي لبقاء بشار الأسد على سدة السلطة في سوريا. وقد حققت هذه الاستراتيجية نجاحات عديدة عسكريا وسياسيا واقتصاديا وإعلاميا على حساب إخفاقات الغرب المتمثل بالولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد الأوروبي الذي فشل في بناء استراتيجية مقابلة، ما حقق تقدما لنظام الأسد على قوى الثورة والمعارضة السورية على الصعيدين الميداني والسياسي.
فقد نجحت الاستراتيجية الروسية في سوريا بخلخلة المعارضة السياسية وبناء تكتل قوي، مدعوم عربيا، داعم لتوجهها السياسي في مقابل التكتل التركي الأمريكي، كما نجحت في خلخلة فصائل المعارضة وتمييزها بين متطرفة ومعتدلة، والتفريق بين المدعومة قطريا وسعوديا وتحريضها على بعضها.
ولتحقيق هذه النجاحات، ساقت موسكو المزيد من الأدلة على أن من ثار على حكم الأسد هم متطرفون وإرهابيون يجب العمل على استئصالهم، وأعطت ذريعة للرئيس الأمريكي دونالد ترامب (الذي يتهم أمريكيا بالتماهي مع رؤية بوتين في العديد من نقاط السياسة الدولية والمحلية) لإيقاف دعم الفصائل السورية غير الخاضعة للأجندات الدولية وغير الملتزمة بمخرجات العملية السياسية التي يتم العمل عليها.
كما جرّت الولايات المتحدة لتحقيق هدفها وهدف الأسد بدحر تنظيم داعش واستهداف جبهة النصرة لتتفرغ هي والأسد للفصائل الأخرى عبر استهدافها المباشر أو توريطها في صراعات بينية، وبذلت كل طاقتها الديبلوماسية في مجلس الأمن الدولي من أجل نقض ومنع صدور أي قرار يدين ممارسات النظام في استعمال القوة المفرطة والأسلحة المحرمة دوليا ضد المدنيين من الحاضنة الشعبية للمعارضة والثورة.
واستطاعت موسكو أيضا شغل الرأي العام العالمي عن استعمال الأسد للأسلحة الثقيلة من براميل متفجرة وصواريخ بالستية بما استعملته هي نفسها من أسلحة متطورة وقدرات جوية وبحرية متطورة استهدفت بها الحاضنة الشعبية المؤيدة للثورة وللفصائل الإسلامية والرافضة أو المتحفظة حيال العملية السياسية.
يضاف إلى ذلك نجاح روسيا في تشتيت الجهود الدولية لإيجاد حل سياسي للأزمة السورية من خلال مؤتمر جنيف عبر فتح مسار مواز للمفاوضات تولته الدبلوماسية الروسية الرديفة في أستانة لإدارة الصراع في سوريا بين القوى المسلحة على الأرض على حساب إضعاف القوى السياسية، من خلال ترتيب عمليات وقف إطلاق النار وإجراء مصالحات تهربا من استحقاقات سياسية قد تفرضها عملية جنيف تؤدي في النهاية إلى طرد الأسد نهائيا من مستقبل سوريا.
ومع هذا كله نجحت موسكو في خلق تمويل هائل لعملياتها العسكرية والدبلوماسية عبر استجرار مواقف سياسية وعقود وصفقات مالية مع دول عربية استعانت بها لتخفيف حدة العقوبات الأوروبية والأمريكية وتأمين الجبهة الداخلية في روسيا التي كادت أن تنفجر في وجه إدارة بوتين الذي يصارع على عدة جبهات خارجية وداخلية، مستعملة فائض قدراتها العسكرية لمدّ نفوذها وتحقيق مصالحها الاقتصادية والاستراتيجية، وبالتالي استعادة موقعها كثاني لاعب سياسي على الساحة الدولية وسط انكفاء أمريكي وتشرذم أوروبي.
وبذلك نجحت إدارة بوتين في الهروب من الحصار المفروض عليها أمريكيا وأوروبيا والمساومة والمناورة على ترتيبات الغرب في تجنيد أوكرانيا كقاعدة للناتو وحلف شمالي الأطلسي والاتحاد الأوروبي ونشر درع صاروخية على مرمى حجر من موسكو، كما سعى بوتين إلى ضم شبه جزيرة القرم ثم التوجه إلى البحر المتوسط لفتح جبهة جنوبية على حلف شمالي الأطلسي قريبة من أقوى قواعده في الأناضول، ما سهل بالفعل على بوتين تحويل الأنظار والاهتمام عن الأزمة الأوكرانية والانشغال بالتعقيدات التي تم خلقها في سوريا.
والنجاح الأبرز لبوتين تمثل بإتقانه للعزف على وتر محاربة الإرهاب الذي يتخذه الغرب ذريعة للتدخل في أي مكان في العالم وهو ما مهم له نظام الأسد منذ اليوم الأول لاندلاع الثورة السورية وتبرير المواجهة العنيفة والمفرط في العنف في قمع الثوار والمعارضين وهو نفس الأمر الذي استغله نظام الملالي في طهران لصرف النظر عن توجهاته السياسية في السيطرة على الدول العربية والتحكم بها وإثارة القلاقل فيها وتبرير وشرعنه المليشيات التي انتشرت كالنار في الهشيم في سوريا والعراق، وانضم حزب الله إلى هذه المنظومة ليظهر بموقف المؤيد لتطلعات الغرب في كبح جماح الإسلام السياسي السني الذي يهدد المصالح الاستعمارية التي تم الاشتغال عليها منذ أكثر من قرن من الزمان للسيطرة على موارد البلاد العربية وكبح أي تطور سياسي أو اقتصادي فيها عبر أنظمة قمعية وبوليسية تؤدي وظيفة الحارس الأمين لمصادر الثروة والطاقة.
كما تذرعت القيادة الروسية بالرغبة في القضاء على ثلاثين ألفا من عناصر تنظيم الدولة الإسلامية من مواطني الاتحاد الروسي ودول وسط آسيا، واعتبرت أن أفضل سياسة دفاعية يمكن أن تعتمدها هي مقاتلتهم والتخلص منهم في سوريا والعراق قبل عودتهم إلى بلادهم إن نجح التحالف الدولي في القضاء على دولة التنظيم. ولكن الروس في واقع الأمر ركزوا كامل جهدهم العسكري ضد فصائل الثورة المعتدلة، وفي مقدمها كتائب الجيش السوري الحر، وذلك من باب حرصهم على مساعدة قوات نظام الأسد وحلفائه لاستعادة المبادرة التكتية واستعادة المناطق الاستراتيجية التي خسرتها، وفي طليعتها المدن الكبرى كدمشق وحلب وحمص، تاركين مسؤولية القضاء على الإرهابيين الذين تعلن خشيتها من عودتهم للتحالف الدولي.
وتركزت استهدافات القوة الروسية على مواقع المناطق التابعة للمعارضة في حلب وحماة وحمص وحلب ودمشق، من أجل إضعاف قوى الثورة وفتح الطريق أمام النظام لاستعادة هذه المدن. ولم تكن معارك تدمر ضد تنظيم داعش سوى لمنع تمدد التنظيم نحو حمص ودمشق.
كما نجحت موسكو أيضا في التنسيق مع إيران المحاصرة غربيا وعربيا، وتحسين علاقاتها مع تركيا، التي يتعرض نظام حكم حزب العدالة والتنمية فيها لتأمر غربي لإسقاطه وإنهائه، وخلقت أرضية عمل سياسي مشترك مع طهران وأنقرة في أستانة، مع تطوير وتمتين علاقات اقتصادية واستراتيجية في مواجهة الغرب المتوجس خيفة دائما من المشروعين الفارسي والعثماني.
كما استفادت روسيا من خشية الولايات المتحدة ودول الاتحاد الأوروبي من تحول نظام الأسد إلى عصابة مافيوية دولية تهدد أمن واستقرار العالم، ما انعكس في اتخاذ مواقف رخوة ضده، وبناء استراتيجية تدريجية لخلخلة هذا النظام من الداخل وصولا إلى إقصاء الأسد وتجريده من كل عناصر القوة الاستخباراتية والتنظيمية، تمهيدا لعزله مع الإبقاء على الأجهزة الأمنية والعسكرية وإعادة تدويرها لتصبح مؤسسات دولة وأجهزة منضبطة لا توالي الأسد بقدر ما تخضع لحكومة مستقبلية تنشأ بموجب تفاهمات وترتيبات الحل السياسي النهائي.
يضاف إلى ذلك كله نصيب روسيا من كعكة الموارد الاقتصادية السورية من نفظ وغاز وهذا ما يتجلى في الحملة التي تقودها بنفسها في محافظة دير الزور، مسابقة في ذلك أمريكا التي تدعم قوات سوريا الديمقراطية للسيطرة على حقول النفط والغاز في المنطقة الشرقية.
وبالتالي فقد نجحت روسيا في إثبات أنها ما زالت قوة كبرى قادرة على مد نفوذها إلى الشرق الأوسط وتشتيت خصومها، مع إبقائها الباب مواربا للتعاون مع واشنطن وتقاسم مناطق النفوذ حول العالم وإعادة نظام القطبية الثنائي القائم على أساس حلفين متمايزين تحكم العلاقة بينهما حرب باردة منضبطة تتقاسم الموارد وتحقق المصالح للجميع على حساب إبقاء الدول العربية رهينة لهذين القطبين سياسيا واقتصاديا دون أي آمال بانفلات العقال مرة ثانية في المنطقة لجيل أو جيلين قادمين.

بقلم : شامل عطايا

مترجم وكاتب سوري مقيم بألمانيا

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *