العدمية الإسلامية وأختها الدولية

الاسلام

المدن – عمر قدور

تفيد الأحداث الأخيرة بأن صفحة داعش في سوريا والعراق قد انطوت، ومن المرجّح ألا يكلف طي صفحة تنظيم القاعدة في سوريا قتالاً يُذكر قياساً إلى الأثر الإعلامي الذي رافق الفورة الداعشية، بخاصة لأن القوات التركية ستتولى المهمة الأبرز في محافظة إدلب. نظرياً نحن على مشارف الانتهاء من ذلك الهول “أو التهويل” الذي رافق بخاصة أحداث السنوات الأربع الأخيرة، ويُفترض بالحرب الدولية على داعش أنها كشفت المهزلة التي مثّلها التنظيم عندما قرر إعلان دولة الخلافة، أي عندما قرر شكلياً الانتقال من حيز التنظيم الثأري العدمي إلى حيز الوجود.

لكن، مهلاً، “الحازميون” قادمون. هكذا بدأ مسبقاً التلويح بتنظيم يكفّر داعش ذاته، بصرف النظر عن أن التنظيم الجديد لا تُعرف مخططاته بعد، ويصعب التكهن بنقطة الفراغ الجيوسياسي التي سيتقدم لملئها. ولعل من المثير للانتباه وللسخرية معاً ما تنطوي عليه التحذيرات الجديدة، فوجه السخرية هو الإقرار بفشل “الحرب على الإرهاب”، بل توليد أجيال جديدة منه أشدّ تطرفاً. أما ما ينبغي الانتباه إليه فهو الاستمرار في تعويم خطر الإرهاب، وتالياً تعويم الحرب عليه وفق النمط المعهود، مع غياب التساؤل حول جدوى هذا النوع من الحرب. مهلاً مرة أخرى، علينا عدم نسيان أكوام من التحليلات عن الحاضنة الشعبية لداعش، وهذه كانت مبرراً جيداً لتدمير مدن مثل الموصل والرقة، وهي كافية لاعتبار داعش مستمراً بتنظيم أو بآخر ما دامت حاضنته موجودة.

في الكلام عن الحاضنة؛ يُفترض أنها لا تتعلم من تجاربها، فهي لم تتعلم من مواجهة الأمريكان قبل وبعد أحداث 11 سبتمبر، ولن تتعلم من التجربة الحالية في سوريا والعراق. باختصار تظهر هذه الحاضنة السنّيّة منسجمة هوياتياً مع عدمية إسلامية، ولا نعدم من يرى أن هذا ما يفرّقها عن ميليشيات شيعية يمكن القبول بها، لأن الأخيرة ذات أهداف سياسية واضحة جداً، فضلاً عن أن انتظامها الهرمي في ولاية الفقيه يجعل الاشتباك أو التفاهم معها ممكناً.

لا نحتاج سوء ظنّ مقابل للقول بأن الحلف المناهض للإرهاب لا يتعلم من تجاربه، وفق القياس نفسه، ففشل الحلف في تحقيق نصر نهائي لا تحجبه انتصارات هنا أو هناك سرعان ما ينقضي مفعولها. وإذا صحّ اختيار ما يُدعى “الحاضنة السنّيّة” الإرهاب كوسيلة عدمية للتعبير عن ذاتها فإن الرد يبدو عدمياً، وعلى نسق مشابه من التكرار، أي أن أصحابه أيضاً لا يستفيدون من تجاربهم السابقة، وهم تالياً منسجمون هوياتياً مع عدمية سياسية مضادة لعدمية التنظيمات الإرهابية. مهلاً، هي في المحصلة عدمية مضادة للحاضنة الشعبية للإرهاب المذكورة آنفاً، والتي يُفترض أنها ستتوالد بيولوجياً وعنفاً ما لم تلقى الإبادة التامة. ليست المسألة هنا في انتقادات ترى نقصاً في الحرب على الإرهاب، بخاصة عدم تلازم جانبها العنفي مع مسار سياسي، فهذه الانتقادات كانت قد تعالت أثناء الموجة السابقة من الحرب “في أفغانستان والعراق”، ولاقت الإهمال من قبل مراكز القرار في الحلف العالمي، ولا يجوز اتهام صانعي القرار بالجهل على هذا المستوى البسيط جداً.

العدمية السياسية الإسلامية وأختها الدولية تصلان بنا إلى النتيجة المدرسية التي تنص على انقطاع هويّاتي بين الجانبين، العنف والعنف المضاد فيها لا يهدفان إلى تحقيق نتائج سياسية، وحتى شعار “القضاء على الإرهاب” يكون فارغاً عملياً من أي فحوى سياسي. هذه المساواة النظرية بين العنف والعنف المضاد لن تكون بالطبع مقبولة من أولئك الذين يرون “عن حق” في الإرهاب شراً مطلقاً، ولا يرون “بدون حق هذه المرة” شرورَهذه الحرب عليه. غير أن المساواة تنتفي أيضاً في موازين القوى، فالحلف ضد الإرهاب يتجاوزه من حيث القوة العسكرية والإمكانيات المادية والسياسية، إنه الحلف الأكثر تأثيراً على الإطلاق في ميدان السياسة الدولية، لكنه في هذا الشأن ينحّي السياسة جانباً. ورغم عدم التكافؤ المذكور تستمد “الحرب على الإرهاب” مشروعيتها من الإرهاب نفسه، لا من القوانين الدولية كما يظهر، لأنها حرب استخدمت وتستخدم العنف المفرط الأعمى على شاكلة الإرهاب، وعدم اكتراثها بحيوات المدنيين ومصالحهم يضمر أو يعلن اتهامهم بالإرهاب وهي تهمة تماثل التكفير، وفي أحسن الأحوال يضمر فائضاً من العنصرية فيجعل منهم خسائر مقبولة بالمقارنة مع نظرائهم من مواطني الغرب.

ستجد فكرة “حاضنة الإرهاب” سنداً في الإسلاموفوبيا، وهي ظاهرة بات لها أنصار محليون كثر، ومن منظور أصحابها يتولى الإسلام بطبيعته توليد الإرهاب. في صيغة مستترة من الإسلاموفوبيا ستتآزر عدة عوامل لتصل إلى المحصلة ذاتها، فما صار يُدعى بالمظلومية السنية سيأخذ شكلاً محدداً من التعبير هو الإرهاب، ولصعوبة حل أسباب تلك المظلومية فمن المرجح تفاقمها إلى مزيد من العدمية السياسية. المظلومية وفق هذا الفهم تنطوي حتماً على داعشٍ ما، وأمر تفاقمها سيتولاه كل داعش جديد بحيث لن يكون هناك فكاك من هذه الحلقة المفرغة والمفزعة.

وأن تصبح الحرب الحالية على الإرهاب الاسمَ الحركي لمنع التغيير في المنطقة، بمباركة دولية للأنظمة القائمة أو المتداعية، فالتوصيف الأدق لذلك هو تعزيز العدمية السياسية في المنطقة عبر سلطات لا يمكن بقاؤها إلا بمنع السياسة في مجتمعاتها، وهو ما كان يحدث منذ عقود. الإبقاء على هذه السلطات هو بمثابة الإبادة الجماعية الناعمة التي يستخدمها التحالف ضد الإرهاب، فحيث تصعب أخلاقياً إبادة الحاضنة الشعبية المتخيَّلة له ينبغي وضعها في غوانتانامو ضخم يُدعى مجازاً بالدولة. إن وجهاً من الوجوه القديمة يعود ليُطلّ بأقوى مما سبق، حيث كان جزء من العداء للغرب يأتي من دعمه أنظمة تفتقد الشرعية، لأن الإبقاء على الأنظمة القديمة سيكون له وقع أشد بعد انكشافها أمام ثورات المنطقة. عطفاً على هذا الواقع قد يتقدم الإرهاب كعدمية سياسية، إنما أيضاً كرد فعل على عدمية سياسية خارجية مورست للتو.

في المآزق المستعصية لا يندر أن تُرمى مسؤولية أكبر على الطرف الأضعف، لأنه الأشد حاجة إلى الخلاص، ولا يندر بالطبع أن يعمد الأضعف إلى جلد الذات وتحميلها مسؤوليات تفوق طاقتها. بين العدمية الإسلامية والدولية سنجد شيئاً من هذه التراتبية، فالمسؤولية الحصرية تُرمى على المجتمعات الأضعف “تحت تسميتها حاضنة شعبية”، وضحايا “الحرب على الإرهاب” لا اعتراف بهم لصالح تسليط الضوء بانتقائية على بعض ضحايا الإرهاب. أما الانتصار على الإرهاب فلا أحد من المنخرطين في الحرب عليه يتوق إلى إعلانه في المدى المنظور، ولا أحد منهم يرأف بما يُصوّر حاضنة شعبية للإرهاب فيعلن هزيمتها والاكتفاء بما نالته من عقاب.

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *