نهضتنا وفناء الآخر!

حسين الوادعي

حسين الوادعي *

كان المفكر الكبير محمد عابد الجابري قد لفت النظر إلى مسالة شائكة في الفكر العربي النهضوي وهي ربط المفكرين العرب ربطا “حتميا” بين “نهوض” العرب و”سقوط” الحضارات الأخرى وخاصة الحضارة الغربية!

لهذا انشغل المفكرون العرب باختلاف مشاربهم بالتبشير بسقوط الغرب.

الإسلاميون يبشرون بسقوط الغرب (الصليبي) بسبب تراجعه الاخلاقي وبعده عن الدين. والليبراليون يبشرون بسقوطه بسبب تنكره لقيم الحرية والرفاه. واليساريون يبشرون بسقوطه بسبب تناقضاته الرأسمالية والطبقية.
ابرز نموذج لربط نهضة العرب بسقوط الاخر (او ربما بافناء الاخر) هو ربط الوحدة العربية بسقوط اسرائيل ورميها في البحر!

يبدو أن العرب والمسلمين هم الوحيدون من بين كل الثقافات الذين لا يرون نهوضا لهم إلا بإسقاط الاخرين. فلننظر مثلا الى نهضتي الهند والصين المعجزتين اللتين قامتا على الإستفادة من الآخر والتفاعل معه والمقايضة العولمية مع المنافس بدلا من اسقاطه او افنائه!
و تخيلت لوهلة أي سيناريو مرعب كان سيحدث لو ربط الهنديون نهضتهم بسقوط الغرب أو لو فعل الصينيون ذلك. وماذا لو اتجه المليار هندي او المليار صيني للسعي لإسقاط الاخر أو القضاء علی الغرب بدلا من الإنشغال بالتصنيع والإبداع والمنافسة وبناء الاقتصادات الاضخم في العالم!

ان الحالة القصوى لربط نهضتنا بسقوط الاخر تتمثل في الخطاب الديني المعاصر الذي يختم كل خطبة جمعه بدعاء مخلص يطلب من الله فيه ان يدمر الغرب (ومن والاهم) وان يشتتهم وييتم اطفالهم ويسبي نساءهم. وهي الممارسة الأسبوعية التقليدية التي نؤمن عليها (آمين) بخشوع عقودا تلو عقود!
و النهضة عندنا تبدا بذلك الحلم الداعشي القديم بصلاح الدين جديد أو محمد الفاتح جديد يكتسح أوروبا وأمريكا، ويفرض الجزية
آمن كثير من مفكرينا العرب بحتمية “سقوط الغرب”. وهذه الحتمية الغربية استوحوها من قراءات خاطئة لمؤلفات غربية مشهورة كانت تنتقد تدهور الغرب في بعض المجالات السياسية والثقافية والإقتصادية واشهرها كتاب “تدهور الحضارة الغربية” لازوالد شبنجلر، و”سقوط الغرب”.

والغريب انك عندما تقرأ هذه المؤلفات لا تجد أي حديث عن سقوط حقيقي وعاجل للغرب بقدر ما تجد تحذيرات للغربيين والحكومات الغربية من فقدان موقعها المتقدم بين الأمم. فالسقوط المقصود هو التراجع من موقع قيادة الأمم وليس سقوط الانهيار.
لكن الأغرب ايماننا نحن العرب أنه بعد السقوط المفترض للغرب سنكون نحن الوارثين لنهضته. نحن دون غيرنا من الأمم الأخرى الأقوى والأحدث مثل اليابان والصين ونمور آسيا والبرازيل والأرجنتين وكل الأمم الناهضة. مع أن الغرب يمكن أن يسقط ونظل نحن أيضا في سقوطنا التاريخي بلا تغيير!

يترافق الإيمان الحتمي بسقوط الغرب مع إيمان غيبي آخر بوجود مؤامرة كونية دائمة ضد المسلمين. هذه المؤامرة يؤمن بها الإسلاميون (مؤامرة صليبية) واليساريون (مؤامرة امبريالية) والقوميون (مؤامرة غربية). ولأننا (وحدنا دون بقية الأمم) ضحية مؤامرة كونية دائمة من قبل الآخر فلن نتقدم إلا عندما تنتهي هذه المؤامرة. ولن تنتهي هذه المؤامرة إلا إذا سقط الجميع وبقينا وحدنا نبني نهضتنا من دون منافسة من أحد.
نريدأن نلعب كرة القدم، لكننا نريد لعبها وحدنا دون وجود فريق منافس لنتمكن من تسديد ما يمكن تسديده من أهداف في المرمى الخالي.

هناك خلل كبير ليس في وعينا النهضوي فقط بل وحتى في قوانا العقلية أيضا.

*كاتب ومدرب اعلامي يمني

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *