دولة كردستانية لكنها ليست دولة قومية

الاكراد

الحياة – عبد الباسط سيدا

«سنبني دولة كردستانية، لا دولة قومية». هذه العبارة التي يردّدها الرئيس مسعود بارزاني في مقابلاته مع وسائل الإعلام، ولقاءاته الخاصة، تستوجب الكثير من التمعّن والتفكير. لأن الرجل الذي كرّس حياته بصورة فعلية منذ 1962 في سبيل حماية شعبه، والدفاع عن حقوقه، يدرك أن المجازر الكبرى التي تعرض لها هذا الشعب، كانت نتيجة المشاريع القومية الأيديولوجية التي أنهكت الكرد والعراقيين والمنطقة عموماً، وجعلت العراق ساحة مفتوحة أمام المشروع المذهبي – القومي الإيراني.

فقد كانت الآمال معقودة على الملك فيصل الأول وأركان حكمه بأن يتمكنوا من إيجاد صيغة من التآلف والوحدة الوطنية بين المكونات العراقية المتنوعة، بخاصة بين العرب الشيعة والعرب السنة والكرد، وذلك في مرحلة التأسيس بعد الحرب العالمية الأولى. إلا أن الصراعات الداخلية حالت دون ذلك. ثم كانت مرحلة عبدالكريم قاسم القصيرة التي شهدت هي الأخرى إخفاقاً ذريعاً للمشروع الوطني العراقي. وكان حكم الأخوين عارف، ومن ثم الحكم البعثي الطويل الذي فعل عكس المطلوب للحفاظ على الوحدة الوطنية العراقية. فالمكون العربي السني كان في مقدوره أن يؤدي دور الجامع الموحد بين الجنوب العربي الشيعي، والشمال/إقليم كردستان الكردي السني. لكن صدام، الذي عُومل على أنه يمثل العرب السنة، ضرب الشيعة في الجنوب، وضرب الكرد في الشمال، وتحت شعارات قوموية استخدمت للتضليل ليس إلا.

بات الكرد شبه مستقلين في مرحلة ما بعد حرب الخليج الأولى في 1991. واستمر وضعهم هكذا إلى ما بعد إسقاط نظام صدام حسين عام 2003 بفعل التدخل الأميركي الكبير على رأس تحالف دولي – إقليمي، شاركت فيه مجموعة من الدول العربية بما فيها سورية في عهد حافظ الأسد.

ومع سقوط النظام الصدامي الديكتاتوري، الفاشي، استبشر العراقيون، ومعهم شعوب المنطقة كلها خيراً، اعتقاداً منهم، ومنا جميعاً، بأن العراق سيكون أنموذجاً للدولة الوطنية المدنية الديموقراطية، التي تحترم خصوصيات وحقوق كل مكوناتها، وتقوم على أساس الشراكة الفعلية بين الجميع في كل شيء. وكان التفاؤل بجهود إياد علاوي الواعدة في ذلك الحين. غير أن ما حصل لاحقاً في عهد نوري المالكي قضى على كل الآمال. فقد هيمنت الأحزاب المذهبية على الحكم في بغداد، ولجأ العرب السنة إلى مرجعياتهم الدينية، بعد الحظر «القانوني» لواجهتهم السياسية الأساسية (حزب البعث). وسيطر الفساد الفلكي على وزارات ومؤسسات الدولة العراقية، وباتت البلاد ساحة مفتوحة أمام التحركات والتدخلات الإيرانية على مختلف المستويات وفي جميع الميادين.

وكان فيلم الإثارة «الداعشي» الذي يطرح ألف سؤال وسؤال، وما ترتب عليه من «شرعنة» للميليشيات المذهبية التي كانت تنافس الدولة، لتصبح بجرّة قلم، وقدرة قادرة، جزءاً من المنظومة الدفاعية الرسمية العراقية.

وفي المقابل، كان التضييق على إقليم كردستان العراق بكل الوسائل. فقد أُبعد الكرد عن قيادة الجيش، وعن الوزارات السيادية. ولم تحل قضية المناطق الخلافية وفق الجدول الزمني المتفق عليه، وكان الحصار المالي للإقليم، وغير ذلك من الإجراءات التي هي معروفة لدى الجميع.

وعلى رغم كل ذلك، أثبت الإقليم مقدرته على تحمّل التحديات الكبرى، وتمكّن من التعامل معها بأفضل السبل على رغم محدودية الإمكانات المادية.

فالحصار المالي من جهة، وحرب «داعش» من جهة أخرى، وأكثر من مليوني نازح ولاجئ عراقي وسوري من جهة ثالثة، فضلاً عن التراجع الكبير في أسعار النفط، كل هذه العوامل وغيرها شكّلت أعباء وأخطاراً جدية، هددت الإقليم في أمنه واستقراره، ولقمة عيش أبنائه، وعطلت عجلة التنمية فيه. ومع ذلك لم تفعل حكومة بغداد شيئاً، وكأن الأمر لا يعنيها بتاتاً، بل استمرت في إجراءاتها التضييقية، وفق خطة مكشوفة، ترمي إلى إرغام الإقليم على السير في ركاب المشروع المفروض عليه. وكان قرار إجراء الاستفتاء حول مصير العلاقة مع بغداد، وذلك بعد أن انسدت الآفاق أمام مشروع الدولة العراقية الوطنية المدنية الديموقراطية.

ولن يكون هذا الاستفتاء الذي سيُجرى بعد أيام مقتصراً على المواطنين الكرد وحدهم، بل سيشمل سائر المكونات من مواطني الإقليم. وسيعبّر الجميع بكامل حريتهم عن رأيهم في موضوع استقلال الإقليم، حيزهم الجغرافي، الذي سيكون مجالاً حيوياً لكل مكوناته، لتتفاعل في ما بينها على قاعدة المصالح الاقتصادية المشتركة، واحترام حقوق جميع الخصوصيات من دون أي تمييز.

لقد أكدت قيادة الإقليم على مدى نحو ربع قرن مصداقيتها في ميدان احترام التنوع المجتمعي، وعدم التضييق على الرأي الآخر المختلف، والاستعداد المستمر لحل كل القضايا والمشكلات بالحوار والصبر والانفتاح.

إن مشروع استقلال إقليم كردستان هو مشروع الدولة الوطنية التي تظل المنقذ المنتظر لمجتمعاتنا التي تعاني راهناً من حالة ارتداد كارثية نحو الولاءات ما قبل المجتمعية، حالة تنذر بتناحر الهويات، وتفتت البلدان، وتناثر الطاقات في مختلف الاتجاهات.

فالدولة التي يتحدث عنها مسعود بارزاني، لن تكون دولة قومية تشمل الكرد كلهم. لأن معالجة قضايا كرد الأجزاء الأخرى ستكون مع دولهم، انطلاقاً من خصوصية أوضاعهم. ولن تكون الدولة المنشودة مقتصرة على الكرد وحدهم، بل ستشمل العرب والتركمان والكلدان والسريان والآشوريين، وستضم المسلمين من سنة وشيعة، ومسيحيين وإيزيديين وصابئة وغيرهم.

ودولة كهذه ستكون أنموذجاً للمنطقة كلها في ميدان التعايش، والتسامح، والتنوع، والحكم المدني الذي يفصل بين الدين والسياسة، مع احترام عقائد الجميع.

الدولة الكردستانية لن تكون مؤامرة على شعوب المنطقة كما يروج بعضهم، بل ستكون المتنفس المطلوب لإعادة جسور التواصل بينها وفق منظور جديد، منظور يتعامل مع قضايا المنطقة بعقلية مغايرة، تقطع الطريق مع الأدوات والأيديولوجيات التي أخفقت، وأثبتت بنتائجها المأسوية عدم صلاحيتها لشعوب منطقتنا وتطلعاتها.

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *