حقيقة التطهير العرقي في بورما

D48285E6-9F93-45BC-9493-0E155966D2F6-2709-0000042457C4EFFF

حسين الوادعي *
كالعادة انقسم الرأي العام العربي حول ما يجري في بورما بين متحمس ومنكر.
فهل ما نسمعه من أخبار التطهير العرقي في بورما حقيقة أم مبالغة؟
أتابع الموضوع منذ سنوات، والتطهير العرقي حقيقة بناء على تقارير اغلب المنظمات الدولية والأممية.
بل إن التقارير الدولية تعتبر الروهينجا “أكثر الاقليات تعرضا للاضطهاد في العالم”.
إنكار المجازر عمل غير مسؤول. لكن من الناحية الأخرى محاولة تصوير الأمر على أنه حرب “ضد الإسلام” او “ضد المسلمين” تضليل وخداع.
كما أن الدعوة إلى “جهاد بورمي” تشجيع لموجة جديدة من الإرهاب الدولي.

كيف نفهم الصراع في بورما؟
انا في أولا اننا إزاء جريمة تطهير عرقي ممنهج ضد أقلية.
هذه الأقلية قد تصنف عرقيا (بنغال، روهينجا)، أو دينيا (مسلمون)، أو مذهبيا (سنيون متصوفه).
لكن مهما كان تصنيفنا لهذه الأقلية لا يجب أن يؤثر على موقفنا من المذبحة.
كيف بدأت المشكلة؟
تتواجد أقلية الروهينجا المسلمة في إقليم “اراكان” شمال غرب بورما. والتواجد الإسلامي يعود إلى قرون حين كان “الروهينجا- البنغال” يشكلون أقلية في الإقليم ذي الأغلبية البوذية.
بدأ التحول الديموغرافي بعد الاحتلال البريطاني لبورما خاصة في القرنين التاسع عشر والعشرين حين هاجر عشرات الآلاف من مسلمي باكستان إلى إقليم “اراكان” ليصبح (الروهينجا- البنغال- المسلمون) أغلبية.
بعد استقلال بورما لم يتغير وضع الروهينجا، بل احتل بعضهم مناصب سياسية عالية في البرلمان والحكومة.
بدأ التحول بعد الانقلاب العسكري عام 1960 الذي تبنى سياسة قومية متطرفة اعتبرت أن “الروهينجا” ليسوا من الأعراق الأصيلة” المكونة للمجتمع البورمي. وبلغت المشكلة ذروتها بصدور قانون الجنسية عام 1982 الذي منع الجنسية عن كل من هاجروا إلى بورما بعد عام 1823، مما يعني استبعاد أكثر من 90% من الروهينجا من حقوق المواطنة.
وهكذا عزلوا وحرموا من حق التعليم والعمل والرعاية الطبية. وساء الوضع بعد ظهور ردود فعل داخل الروهينجا بين حركة بدأت تنادي باستقلال الإقليم، وحركة اخرى بدأت تدعو للجهاد، وبدأت فعليا في إستهداف مراكز الشرطة وتفجير الأماكن العامة داخل الإقليم.
وقد اتخذت الحكومة البورمية هذه الأحداث الإرهابية عذرا لشن حملة التطهير الأخيرة دون تفريق بين المدنيين والمسلحين.

هذه هي الصورة المعقدة للصراع البورمي.
الصراع إذا صراع عرقي، ضد الروهينجا كأقلية عرقية، ولا علاقة له بالدين ولا يدور حول الدين.
هذا التطهير العرقي البشع يحتاج تضامنا وعملا دوليا سريعا لايقافه، وليس إلي تهييج المشاعر الدينية وفتح الطريق لموجة جديدة من الكراهية الدينية والجهاد- الإرهاب.
وليتنا نتعلم من دروسنا السابقة عندما حولنا الصراع في البوسنة من صراع عرقي بين ثلاثة أعراق (الصرب، الكروات، البوشناق) إلى صراع ديني بين المسيحية والإسلام وزرعنا لغم الجهاد في قلب أوربا.
واخطأنا قبلها عندما حولنا الصراع في أفغانستان من صراع سياسي إلى حرب بين الكفر والإيمان ممهدين الطريق لأبشع وأطول موجة إرهاب في التاريخ.

بقية نقطة أريد أن اثيرها حول مسألة “التعاطف”.
الذين يتعاطفون مع الروهينجا فقط لأنهم “مسلمون” عندهم خلل عميق في ضميرهم الأخلاقي.
والتعاطف مع أقلية تتعرض للتهجير والتطهير الممنهج لا يجب أن يتوقف على المشابهين لنا في الدين والمذهب. هذا التعاطف مريض ومأزوم. وانا على يقين أن الروهينجا لو كانت أقلية شيعية وليست سنية لما حرض من أجلها المحرضون،،ولتجاهلوها كما تجاهل الرأي العام العربي مذبحة اليزيديين التي تمت تحت سمع وبصر الجميع وسط صمت مريب قد يصل إلى حد التواطؤ.
يحتاج الروهينجا إلى تعاطفنا الإنساني الكامل، حتى لا يحدث لهم ما حدث لليزيديين.

*كاتب ومدرب اعلامي يمني

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *