من فارس الخوري إلى نجدت أنزور

نجدة أنزور

العربي الجديد – عدنان عبد الرزاق

لا أعتقد من عقوبة دنيوية، توازي بإيذائها وعقابيلها، استلام أحمق زمام الأمور، بل وفرض رأيه وقراراته على من شاءت الأقدار أن يكونوا مرؤوسين لذاك الواصل لسدة القرار، دونما أية مقومات، سوى الولاء والانبطاح، أو حتى الوراثة.
بمعنى تاريخي بسيط، البرلمان السوري الذي كان رئيسه يوماً فارس الخوري الذي وضعته الأمم المتحدة في إحدى دوراتها رئيساً لمجلس الأمن عام 1947، والبرلمان السوري الذي كان رئيسه ناظم القدسي الحائز شهادة الدكتوراه في القانون الدولي من سويسرا، والبرلمان السوري الذي ترأسه معروف الدواليبي الحائز الدكتوراه من جامعة باريس والتي نالها عن أطروحة كتبها بالفرنسية عن الاجتهاد في الشريعة الإسلامية، والبرلمان الذي ترأسه مأمون الكزبري الحائز شهادة الدكتوراه في الحقوق من جامعة ليون الفرنسية، والذي كان عالماً من علماء التشريع والقانون وقام بعد خروجه من سورية إثر انقلاب البعث بتعريب التعليم الجامعي في المغرب.
هذا البرلمان، ترأسه لعقود عبد القادر قدورة الذي “بكى وأبكى” يوم خسرت الأمة قائدها التاريخي، حافظ الأسد، في العاشر من تموز/يونيو عام 2000 ودعا، بناء على اقتراح ثلثي الأعضاء، باليوم التالي لتعديل المادة 83 من الدستور السوري ليخفّض من سن حكم الرئيس من 40 سنة إلى 34 وفق عمر الوريث بشار الأسد.
وامتداد هذا المجلس، البرلمان، أوصل هدية عباس للمجلس في مثل هذه الفترة العام الفائت، والانقلاب عليها بتوصية “من فوق” وتنصيب النائب، المخرج التلفزيوني، نجدت أنزور، الذي لا يحمل شهادة ثانوية، ربما لأنه الأقدر على إدارة كادر تمثيلي كهذا، وإخراج المشاهد عن برلمان الأسد، بأكثر تشويق وأقل اشمئزاز.
تساءلت وفق هذا المشهد المحبط، هل العقود الأخيرة عاقر لتضن على السوريين، بقيادة توازي ما هم عليه، أو كانوا عليه، من تطور ووعي ووطنية؟
عادت بي الذاكرة إلى الرؤساء الذين تعاقبوا على سورية، بعد الاستقلال، من شكري وحسني الزعيم وسامي الحناوي وهاشم الأتاسي وفوزي سلو، وصولاً لناظم القدسي ولؤي الأتاسي، قبل “لعنة البعث” التي أوصلت أمين الحافظ ونور الدين الأتاسي وأحمد الخطيب، ليصل حافظ الأسد، عبر انقلاب على رفاقه، ويؤسس لفكر الأبدية بالحكم ويورّث بعد وفاته عام 2000، ابنه بشار الذي حوّل سورية إلى ما ترون وتسمعون، ولم يزل متمسكاً بكرسي أبيه، بعد 17 عاماً تخللها تدمير الحجر والبشر وتهجير نصف السكان.
تساءلت طويلاً عن الأسباب التي بدّلت غزلان السوريين قروداً، هل هي جراء خوف السوريين وتخاذلهم، لتصح مقولة “كما تكونون يولى عليكم” أم تراها مشيئة إقليمية ودولية، لعلّ الدفاع عن “الأسد الكيماوي”، ومحاولات إعادة إنتاجه خير تأكيد عليها.
لكني ومن منطلق ديمقراطي واحترام الرأي الآخر تساءلت.
أيناسب سوريي اليوم أفضل من رئيس يزيد طوله عن 190سم ولون عينيه أزرق واستطاع بفترة قياسية تحسين مخارج الحروف، بل ويمتاز بسفسطة لدرجة استسلام المستمع ليرتاح من سياط التبرير واللف والدوران، فضلاً عن أنّ الرجل يجمع بين المتناقضات، فهو ممانع للعدو الاستراتيجي من جهة، وأمن إسرائيل من أمنه، من جهة ثانية.
ومن منطلق الديمقراطية ذاته، تساءلت، أيعقل ويجوز ويصح لرئيسة مجلس الشعب هدية عباس أن تقول للسادة الأعضاء “خلص”، ولا تسمح لهم بالنقاش وفق جدول الأعمال المقرر فيه “مداولة عامة للنظام الداخلي للمجلس”.
أوليس من حق البرلمانيين أن يدافعوا عن الديمقراطية وحرية الرأي، ويعتصموا ويحجبوا الثقة عن الرئيسة، لتكون عبرة لمن يعتبر، أو لمن ألقى السمع وهو شهيد، لأن سورية الأسد الديمقراطية، لا يقال فيها “خلص”.
نهاية القول: يبدو أن واقع الحال بالمنطقة عموماً، يتطلب أمثال نجدت أنزور لإخراج مسرحيات الطغاة بشكل أكثر فنتازية، فعصر ناظم القدسي بسورية كان يتطلب أمثال فارس الخوري ومعروف الدواليبي، في حين توريث الشباب كراسي آبائهم، لا يحتمل ببرلماناتهم ومجالس الشورى، أكبر من نجدت إسماعيل أنزور.

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *