ثمرة وقف إطلاق النار الدرعاوي

دمار

الحياة – مرح بقاعي

غرّد الرئيس الأميركي دونالد ترامب إثر بضع ساعات من اتفاق وقف إطلاق النار في منطقة الجنوب الغربي السوري، الذي أنجزه مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، وبشراكة واضحة من المملكة الأردنية وملكها، كتب: «وقف إطلاق النار الذي دخل حيز التنفيذ سيكون سبباً في إنقاذ أرواح عدة». وتابع: «حان الوقت للمضي قدماً في العمل البناء مع روسيا!».

تأتي تغريدة ترامب لتصرّح عن تفاؤله بصمود وقف إطلاق النار في ثلاث محافظات سورية أدمتها وأثكلتها الحرب لسنوات ست، هي القنيطرة ودرعا والسويداء. وجاءت هذه الهدنة نتيجة لمحادثات معقدة ومشاورات ديبلوماسية استراتيجية دامت أشهراً، وليست البتة وليدة ساعتها حين التقى الرئيسان في مدينة هامبورغ الألمانية. تلك المحادثات كانت دائرة على قدم وساق بين إدارة ترامب الجديدة وموسكو حيث حليف النظام الأعظم فلاديمير بوتين.

فما هو معيار تفاؤل ترامب، وهو المعروف عنه تبدّل طقسه السياسي وانقلابات تصريحاته الغرائبية؟ وما الضامن الحقيقي والحيادي لصمود تلك الهدنة، بل ما هي آليات فرضها على مناطق النزاع في الجنوب الغربي السوري المجاور لإسرائيل، وقد دمرت ست سنوات من القتال والحصار درعا، إحدى المدن الأولى التي شهدت احتجاجات كبرى ضد بشار الأسد في 2011، وأحالت المدفعية الحكومية والقوة الجوية الروسية رقعة كبيرة منها إلى أنقاض، بينما لا يزال قتال «داعش» دائراً في القنيطرة والسويداء من قوات النظام والمعارضة، على افتراقهما، حيث لم يشمل اتفاق وقف إطلاق النار الحرب على القوى الإرهابية هناك.

لم يأتِ هذا الاتفاق متماسكاً وصلباً من فراغ، بل جاء نتيجة أسابيع من المشاورات الكثيفة غير المعلنة، والبعيدة من الإعلام وحتى من ممثلين للجسم السياسي للمعارضة من الائتلاف أو الهيئة العليا للمفاوضات، مشاورات دارت وما زالت بين الولايات المتحدة وروسيا والأردن، في عمّان، لمعالجة تدفق الميليشيات الإيرانية المنشأ، والطائفية المذهب، والداعمة لنظام الأسد، باتجاه الحدود الإسرائيلية والأردنية. هذا وقد أعلنت إسرائيل مراراً أنها لن تسمح لإيران التي دخلت في حلف جهنمي مع نظام الأسد، بترسيخ قواعدها في سورية. وحدث أن نفّذ الطيران الحربي الإسرائيلي غارات جوية عدة ضمن الأراضي السورية ضد شحنات مشبوهة من الأسلحة المتجهة إلى «حزب الله» في لبنان. كما استُهدفت المنشآت العسكرية التابعة لقوات الأسد في مواقع عدة هذا العام بعد سقوط قذائف داخل الجانب الذي تسيطر عليه إسرائيل من مرتفعات الجولان.

يشكّل الدخول الأميركي على خريطة القوى المتصارعة تحولاً نوعياً استراتيجياً للسياسة الخارجية الأميركية في عهد ترامب عن سابقتها في عهد باراك أوباما. فبعكس سلفه الذي اكتفى خلال سنوات الثورة الست باللهجة الخطابية العالية المفرّغة من أية إرادة سياسية، اتجه ترامب إلى فعل مباشر تجلّى في الشمال بتسليح ثقيل ومباشر للقوات الكردية المقاتلة هناك، على رغم تذمّر أنقرة.

أما من الغرب، فأمر ترامب باستهداف موقع عسكري للنظام بصواريخ كروز أطلقتها إحدى البوارج الأميركية من البحر إثر استخدام النظام السلاح الكيماوي ضد مدنيي خان شيخون، وذلك في أول هجوم أميركي صاروخي مباشر على هدف عسكري نظامي هو مطار الشعيرات. وفي النهاية جاء دعم ترامب لجبهة الجنوب المعارضة، والدخول في توافق روسي على إقامة منطقة آمنة محظورة الطيران في الجنوب الغربي للبلاد.

وإذا كان الهدف غير المباشر لمنطقة الحظر الجوي تلك ضمان بيئة آمنة على حدود إسرائيل، فالولايات المتحدة إنما تؤسس في الوقت عينه لهدفها الاستراتيجي الأساس برفع حاجز يحول دون الحلم الإيراني بتمديد الممر الشيعي الذي يفترض أن ينطلق من طهران ماراً ببغداد ودمشق ليصل إلى البحر المتوسط عبر بيروت.

في جولة جنيف السابعة للمفاوضات السورية، التي يديرها المبعوث الأممي ستيفان دي ميستورا، كانت لي فرصة الحديث العلني مع المبعوث الأميركي للملف السوري، مايكل راتني، حيث كان يشرح لأعضاء الهيئة العليا والوفد، وبحضور سفراء ومبعوثي أصدقاء سورية، عن أهمية اتفاق وقف إطلاق النار في جنوب سورية لحماية الأرواح السورية، ولمنع إيران ووكلائها من تطوير وجود عسكري على طول الحدود. قلت له: هل نفهم أن تجربة وقف إطلاق النار تلك ستكون «نموذجاً» بالمعنى التقني والتطبيقي للمصطلح، يتم تعميمه على مناطق ساخنة أخرى، ولن يكون مشروع اقتطاع أجزاء من سورية للتعامل معها أمنياً، ما قد يمهّد لتقسيم سورية؟

جاءت الإجابة بعد يومين بتصريح أدلى به ترامب من باريس حيث قال: إثر نجاح خطة وقف إطلاق النار التي تمت بتوافق روسي- أميركي، فستشهدون في القريب تنفيذاً لخطة موازية في منطقة هي الأشد اقتتالاً اليوم في سورية.

هذا ولم يعمّر أي اتفاق لوقف إطلاق النار منذ فترة طويلة في سورية خلال السنوات الست الأخيرة، علماً أنه لم توضع أية آلية علنية لرصد أو تنفيذ الاتفاق الأخير، ناهيك عن تغييب المعارضة السياسية تماماً عن المشاركة فيه، ما ينبئ بنضوج فكرة تشكيل مجلس عسكري مشترك للمرحلة الانتقالية بالمناصفة بين من لم تتلطخ يداه بدماء الشعب السوري من ضباط النظام ومن فصائل المعارضة، وهو سينضوي تحت مظلة الجيش الوطني السوري، وهو ما بدأت بوادره تلوح في الأفق إثر إعلان جيش الإسلام في اليوم الأخير من جولة جنيف 7 عن حل نفسه استعداداً للانضمام إلى صفوف الجيش الوطني المرتقب.

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *