أكراد الشرق الأوسط .. بوصفهم عنوان المرحلة وحطبها

الاكراد

 شاهدون -حسام الحميدي
هل حان الوقت لنشهد ولادة دولة كردية في الشرق الأوسط؟؟
طبعاً تساؤلٌ منطقي، لاسيما في الوقت الذي تستعد فيه القوى الكردية لإجراء استفتاءٍ على استقلال كردستان العراق، والتي تُعتبر بشكلٍ أو بآخرٍ نواة لإقامة ما يعرف بكردستان الكبرى التي تضم أراضٍ من سوريا وتركيا وإيران بالإضافة إلى العراق.
عملياً تزامن إجراء الاستفتاء مع تطورات المشهد الشرق أوسطي والذي يوحي بأن المنطقة مقبلة على تطورات جذرية وكبيرة قد لا تستثني الخارطة الجيوسياسية يدفع باتجاه تبني نظرية استقلال كردستان العراق خلال الفترة المقبلة، ولكن ثمة شيء مرتبط بدلالات الاستفتاء أبعد من نتائجه، تحتم علينا ضرورة قراءة المشهد بصورة مختلفة.
أولى دلالات الاستفتاء تشير إلى أن الفصائل الكردية، خاصةً المسلحة منها ستكون عنوان المرحلة القادمة وعماد متغيراتها، سواء تلك المرتبطة بالقضية الكردية أو بقضايا المنطقة بشكل عام، وعلى رأسها محاربة الإرهاب “تنظيم الدولة الإسلامية داعش”، وتصفية بعض القوى في المنطقة وتحديداً الإسلامية منها ذات الطابع المتشدد، ما يعني أن الفصائل الكردية على موعد مع زيادة كبيرة في الدعم على المستويين السياسي والعسكري.
في الواقع، من الطبيعي أن تمثل القوى الكردية الحليف الأكثر تفضيلاً بالنسبة للكثير من الأطراف الدولية، وعلى رأسها الولايات المتحدة، فترامب القادم لاستعادة الدور الأمريكي في المنطقة وإدارته ينظران للفصائل الكردية على أنها أفضل بديل لخيار إرسال قوات أمريكية على الأرض والغرق في مستنقع أزمات الشرق الأوسط، خاصةً وأن مشاريع ترامب للمنطقة لا يمكن أن تتم دون وجود قوات على الأرض السورية والعراقية تحديداً.
على الجانب الآخر من المنطقة، فإن الفصائل الكردية يبدو أنها لن تكون بمعزل عن تأثيرات الأزمة الخليجية التي بدأت بالتحول إلى أزمة إقليمية بعد التدخل الإيراني التركي لصالح قطر في مواجهة السعودية التي تخوض اليوم عبر هذه الأزمة أكبر معركة سياسية في تاريخها، وهو ما سيدفعها للبحث عن خيارات خارج المنطقة الخليجية للانتصار فيها عبر الورقة الكردية أيضاً، “ألد أعداء الأتراك والإيرانين على حد سواء”.
هنا يمكن القول بأن السعودية تنظر للأزمة الخليجية على أنها حرب نفوذ إقليمي تدور رحاها على أرضها أو على الأقل في حديقتها الخلفية “قطر”، ما قد ينمي الرغبة لديها بنقل المعركة إلى أراضي أعدائها “تركيا وإيران” أو مناطق نفوذهما في سوريا عبر الورقة الكردية، خاصة وأن السعودية والإمارات لا تنظران للقضية ولا للدولة الكردية كخطر يهدد امنها الوطني، وهو ما يفسر الغزل السعودي الأخير للقوى الكردية، ما يوحي بأن الضوء الأخضر الأمريكي للسعوديين بدعم الأكراد هو ما فقط ما ينقص للشروع بهذا الدعم.
نعم ربما يكون الأكراد من خلال إجرائهم الاستفتاء قبل الخوض في أي تطورات في الشرق الأوسط يعكس إلى حد بعيد أنهم قد تعلموا دروساً كثيرةً من التاريخ، وأبرزها أن لا يقدموا تضحيات مقابل اللا شيء، ولكن على ما يبدو أن هذا الدرس كان ناقصاً ولم يكتمل بعد.
لننظر إلى تفاصيل المشهد بقليل من الدقة، فإن استقلال كردستان عن العراق لا يحمل أي معنى فعلياً، فالإقليم عملياً دولة مستقلة بذاتها عن حكومة بغداد “عسكريا وسياسيا وماليا وحتى على صعيد العلاقات الخارجية”، وبالتالي فإن عملية الاستفتاء إن تمت لا تتجاوز كونها خطوة قد يدفع الشعب الكردي مقابلها ثمناً أغلى بكثير من ما تستحق، فالدماء التي قد يقدمها أبناء الشعب الكردي خلال معارك جانبية بعيدة عن قضيته المركزية لقاء الدعم الدولي للاستفتاء تتجاوز بأشواط ما قد يجنوه من استقلال اقليم هو بالأصل مستقل، أو تحالف مع قوى عظمى قد تتنصل من وعودها في أي لحظة مع تبدلات المراحل ومعطياتها ومتطلباتها.
نعم قد يستقل اقليم كردستان عن العراق، ولكن هذا لا يعني أن الغرب قد غير نظرته وطريقة تعامله مع القضية الكردية كمجرد ورقة ضغط على حكومات المنطقة، وعملية استقلال الإقليم ليست سوى ورقة لبعض الساسة الكرد يمكنهم استخدامها لتبرير الزج بأبناء العرقية الكردية في معارك المصالح الدولية تحت شعار “خدمة المشروع الكردي”.
من ناحية ثانية، عند الحديث عن قضية كردستان الكبرى لابد من ربطها بتشابكات المصالح الدولية ولاسيما مصالح الولايات التمحدة في المنطقة، والتي تنظر لبقاء القضية الكردية على حالها كمصلحة أمريكية استراتيجية تمكنها من استغلال الطموح والحلم الكردي لخدمة مشاريعها، خاصة وأن قيام دولة كردية مستقلة قد يفقد واشنطن واحدة من أكبر أوراق الضغط في الشرق الأوسط تحديداً على الحليف التركي المتمرد، والمشاكس الايراني الطامح للتمدد أكثر في المشرق العربي.
باختصار، فإنه من الخطأ النظر بعين الإيجابية المطلقة لتحول الأكراد إلى عنوان المرحلة المقبلة وتزايد الدعم المقدم لهم، فقيام كردستان في العراق قد يكون واحداً من المشاريع المرسومة للمنطقة في المرحلة القادمة والتي ستهدف إلى تحويل القوى الكردية المسلحة إلى محاربين بالوكالة يجنبون الجيش الامريكي الغرق في واحدة من أكثر مناطق العالم سخونة واقتتال، ليجد الأكراد أنفسهم في مواجهات قد يكونون أكبر الخاسرين فيها، خصوصاً وأن قيام كيان كردي في العراق قد يدفع باتجاه تشكيل ترويكا “إيرانية – تركية” في مواجهة هذا الكيان.
أما أسوء السيناريوهات التي قد تواجه الأكراد في ظل التصور السابق، هو إمكانية اشتعال اقتتال داخلي “كردي – كردي” بين أنصار رئيس حزب العمال عبد اوجلان من جهة وانصار رئيس الاقليم الحالي مسعود البرزاني في السيطرة على الدولة الوليدة، خاصة فيما لو قررت تركيا تحديداً التعامل مع الكيان الكردي الجديد كأمر واقع، واستغلت علاقاتها الجيدة مع البرزاني لدعمه في مواجهة طموحات حزب العمال الكردستاني “أشد أعداء انقرة”، وهذا ما يمكن اعتباره واحداً من خيارات التعامل التركي مع التطور الكردي الجديد.
ما أريد قوله هنا، أنه غالباً ما يكون من الخطأ النظر إلى التطورات السياسية بظاهرها دون الغوص أكثر في تفاصيلها وخفاياها، لاسيما في حالة شديدة التشابك كالقضية الكردية، فما يراه الأكراد اقتراباً من الحلم الضائع قد يكون في لحظة معينة كابوس تسيل خلاله دماؤهم قرباناً لمصالح دولية لا ناقلة لهم فيها ولا جمل، فالأسئلة التي سأبقيها مفتوحة في هذا المقال هي، لماذا اليوم بعد 14 عاماً من سقوط نظام صدام حسين؛ تتجه أمريكا لدعم استفتاء انفصال الأكراد عن العراق في الوقت الذي تستعد فيه واشنطن لخوض حروب فاصلة مع أعدائها في المنطقة وعلى رأسهم تنظيم الدولة الإسلامية “داعش” وبعض الأذرع الإيرانية؟، وهل من الممكن أن تسمح إسرائيل في إقامة الكيان الوليد على أراضي ينظر لها اليهود كجزء من مشروعهم “إسرائيل الكبرى”؟؟
في النهاية، أنا لا أؤكد في كلامي قيام دولة كردية في العراق ولا حتى اجراء الاستفتاء، خاصة وانها ليست المرأة الأولى التي يتم فيها الحديث عن مثل هذه الخطوة خلال التاريخ الحديث دون أن تتحول إلى واقع، وإنما هي مجرد محاولة لقراءة السياسة الأمريكية الحالية تجاه القضايا في الشرق الأوسط وتحديداً حيال القضية الكردية، فواشنطن اليوم لا تبحث عن “حق الشعب الكردي” أو مساعدته في إقامة دولته، وإنما تبحث عن مقاتلين بالوكالة عنها عبر غسل أدمغتهم بالوعود والتصريحات الرنانة، فتعامل الادارات الأمريكية المتتابعة مع الأكراد بوعودها لا يفرق كثيراً عن وعد الانتحاريين الاسلاميين بالجنة والحور العين، وهنا لا اقارب بين القوى الكردية والتنظيمات المتشددة وإنما مقاربة في طريقة التعامل وغسل الأدمغة.

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *