تجارة الآثار في الشمال السوري..برعاية النظام

mosaic-507c211cb0fff

تعتبر التجمعات الأثرية في إدلب شمالي سوريا، أكبر التجمعات الأركيولوجية في سوريا، وهي الممتدة تاريخياً من الألف الثامن قبل الميلاد وحتى الألف الأول بعد الميلاد، وتتضمن مناطق أثرية مختلفة، بين تلال وكهوف وتجمعات حضارية وممالك، وكنائس.

معظم المواقع الأثرية الممتدة من بابسقا وباقرحا و”كنيسة قلب لوزة”، قرب الحدود التركية في الشمال، ومروراً بتل مرديخ وتل دينيت والمسطومة وآثار البارة وسرجيلا، وصولاً إلى متحف معرة النعمان، تعرضت لأعمال تخريب نتيجة قصف قوات النظام لها من الأرض والجو. عمليات التنقيب العشوائي ساهمت في تخريب هذا الإرث الحضاري، وسط غياب سلطات محلية تحمي المواقع الأثرية الهامة في إدلب، وانتشار تجارة القطع واللقى الأثرية كأحد أساليب التجارة الرائجة في المنطقة، مع وسطاء متصلين بمراكز صناعة القرار في النظام.

مدير “مركز حماية التراث الثقافي السوري” المهندس عبدالرحمن اليحيى،  قال لإنه “نتيجة للظروف التي تمر بها المنطقة من صراع مسلح، انتشرت ظاهرة التنقيب العشوائي لأسباب، أهمها الحصول على المال بطريق غير شرعية، واستغلال حالة الفوضى”. وتختلف طريقة نهب الاثار من منطقة لأخرى، ففي بعض المناطق يقوم أشخاص منظمون ضمن مجموعات بعمليات التنقيب. وبحسب اليحيى، تتعامل تلك المجموعات مع تاجر الآثار الذي يجمعها تمهيداً لنقلها إلى خارج سوريا عبر الحدود. ويتم تهريب معظم الآثار المستخرجة بوجود وسطاء معظمهم من الأمنيين والعسكريين في قوات النظام السوري، مقابل نسبة أو مبلغ مادي، إما إلى حماة ومنها إلى حمص والحدود اللبنانية، وإما عبر الحدود التركية، ليتم عرضها لاحقاً للتجار في أسواق خاصة بتركيا. أما التنقيب في المنطقة الشرقية من إدلب، فتقوم به جماعات أخرى تتولى نقله لتجار شرقي سوريا.

اليحيى أكد أن جميع اللقى الأثرية المهرّبة تُعرض في أسواق خاصة عبر الانترنت، ويتم التفاوض على الأسعار، وفي حال تمت الصفقة، تنقل القطع عبر الحدود عن طريق وسطاء مرتبطين بشبكة تجار ومهربي آثار. وعند دخولها الأراضي اللبنانية أو التركية، يتم عرضها في محلات خاصة باللقى الأثرية حتى يتم بيعها بالنهاية لتجار ينقلونها إلى أوروبا ودول أخرى، بحسب الطلب على القطع الاثرية وحسب خصوصيتها الأثرية.

الناشط الإعلامي أبو خالد، تحدث عن أنواع التعديات التي تطال المناطق الأثرية، قائلاً “معظم الدمار الذي طال المواقع الأثرية كان نتيجة قصف قوات النظام لها بالبراميل المتفجرة والصواريخ الفراغية. فكثير من المناطق الأثرية موجودة ضمن التجمعات السكنية التي استهدفها النظام، كقرية البارة في جبل الزاوية، التي تضم أكبر التجمعات الأثرية ويضم أكثر من 10 مواقع، وكذلك قرية فركيا”. التخريب طال البنية الأساسية للأبنية الأثرية وجعل العديد منها ركاماً، وكذلك فعل التنقيب داخل تلك المواقع. فالفصائل العسكرية اتخذت من التنقيب عملاً لبعض عناصرها، تجاوز العمل بالوسائل البسيطة إلى التنقيب بالجرافات الآلية والمعدات الثقيلة، ما أدى للتخريب في كثير من تلك المواقع.

“وحدة حماية التراث الثقافي السوري” عملت على ترميم عدد من الأماكن الأثرية كان قصف قوات النظام قد استهدفها، ومنها متحف معرة النعمان، الذي يضم أكبر تجمع للوحات الفسيفسائية في سوريا. وتمت حماية تلك المواقع بطرق مبتكرة وضمان حفظها من التلف جراء القصف.


(حماية اللوحات الفسيفسائية في متحف المعرة

سيطرة فصائل إسلامية متشددة على مواقع أثرية في الشمال السوري، كان له الدور الأكبر في إخفاء القطع الأثرية. فمع سيطرة فصيل “جند الأقصى” على “المتحف الوطني” في إدلب، اختفت مئات الرقم الفخارية القادمة من إيبلا، كانت مخزّنة في مستودع المتحف في الطابق السفلي، وتم الإعلان عن وجودها في أحد المقرات العسكرية لـ “الجند” أثناء اشتباكه مع “أحرار الشام”.

تجارة الآثار وعملية التنقيب أصبحتا من الأعمال الأقل تكلفة والأكثر ربحاً مع انتشار المواقع الأثرية في معظم قرى ريف إدلب، وغياب السلطة التي تحد من عمليات التنقيب وتجارة الآثار، ووجود أسواق لتصريف اللقى الأثرية، وحماية الفصائل العسكرية للتجار والمنقبين مقابل مبالغ مالية يحصلون عليها، خلال عمليات التنقيب والنقل وصولاً إلى تسليم القطع الأثرية للتاجر.

وكذلك تشهد المواقع الأثرية تجاوزات تشمل تخريبها والبناء ضمن الحرم الأثري، وإعادة استخدام الحجارة الأثرية في أعمال البناء، كذلك هو حال موقع سرجيلا الأثري شرقي بلدة البارة، فقد تحول إلى مخيم لإيواء النازحين، وتحول حمامه الأثري إلى حظيرة حيوانات، والقصر الأحمر وكنيسة البازيليك إلى ورشات لقطع الحجر وبيعها، وتحول القبو أسفل الكنيسة إلى بيت يسكنه النازحون من مناطق القصف.

وكانت منظمات محلية أطلقت حملات توعية لحماية المواقع الأثرية باعتبارها تمثل الموروث الحضاري للمنطقة. “منظمة اليوم التالي” أطلقت حملة “آثارنا تاريخنا.. لنحمي تاريخنا” والهدف منها حماية موقع آفاميا الأثري الموجود في قلعة المضيق، بالتنسيق مع بعض فصائل الجيش الحر العسكرية، التي أصدرت بياناً تمنع فيه التنقيب العشوائي. لكن تبدل السلطة العسكرية في المنطقة، بعد الاقتتال بين “الأحرار” و”جند الأقصى” وسيطرة “الجند” عليها، بشكل غير مباشر، بعد شهور من إصدار البيان، حال دون إكمال العمل به.

نقلاً عن المدن – احمد مراد

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *