د. خلدون النبواني :ولجت عالم النشر مرغماً وكتاب بوك حلم تحمله روح الثورة قبل أن يختبر نفسه على أرض الواقع

خلدون النبواني

شاهدون – خاص

كتابوك مشروع رائد بفكرته وانطلاقته وتأتي أهميته في ظل عصر هيمنت فيه الكتابة الالكترونية ووسائل الاتصال على كل شيئ حتى أمسى كل من افتتح صفحة الكترونية ظن نفسه كاتباً وناشراً ومفكراً أيضاً فظلم الموهوبون ،وظن أنصاف المواهب بأنهم أصحاب الحق.، أو كما يقول صاحب المشروع الدكتور خلدون النبواني  ” كانت ثورة ثوّرت عالم الكتابة.

المشروع ما زال في بدايته أسسه السوري خلدون النبواني والذي يحمل الدكتواراة بالفلسفة المعاصرة والذي ولد في سوريا عام 1975 ،درس الفلسفة في جامعة دمشق وحصل فيها على دبلوم دراسات عليا قسم الفلسفة.

سافر إلى فرنسا وحصل على ماجستير فلسفة معاصرة جامعة السوربون. باريس 1 ثم دكتوراة فلسفة معاصرة جامعة السوربون. باريس 1، ويدرس حاليا في المعهد الوطني للتراث ـ السوربون

له العديد من المؤلفات الفكرية والفلسفية والترجمات.

لنتعرف على مشروعه التقيناه وبدأنا الحديث :

1- بداية نود لو نعرف القراء بالمشروع بشكل وكيف ولجت عالم النشر وانت الفيلسوف والكاتب والمفكر ؟

اسمحي لي أن أتكلم هنا ككاتب وناشر معاً وربما ككاتب أكثر من كوني ناشر فأنا في الأصل جئت النشر من الموقع المقابل، بل والنقيض والضد أي عالم الكُتّاب والمؤلفين إلى ميدان الناشرين مُضطراً لا راغباً.

مشروع كتابوك هو مشروع هذه المرحلة الثورية الرافضة للظلم والمتمردة على علاقات الاستغلال والوصاية والفوقية والشللية والزمن الذي راح التاريخ يكشطه عن جسده كما تكشط الأفعى جلدها.

إنه ابن مرحلته ووليد شرعي لعصر التكنولوجيا الذي راح يبدل كل شيء من حولنا وفي داخلنا.

إذن جاء المشروع كحلم تحمله روح الثورة والرفض قبل أن يختبر نفسه على أرض الواقع الصلبة العنيدة البليدة التي إن لم تحول الحلم إلى كابوس فإنها تنزع عته بكل أسف تلك النظرة الأسطورية المتفائلة بالمستقبل. وباختصار يمكن لي القول أنه كان لا بد لي من هذا التوجه الذي اضررت إليه فإذا لم يتحمل أحدنا العناء ويشمر عن ذراعيه ويعمل فلا نشر ولا من ينشرون بالمعنى اللاتجاري للكلمة.

بكلام أكثر بيروقراطية مشروع كتابوك هو مشروع للنشر بدأ كدار نشر للكتاب الإلكتروني وبعد محاولات ترخيص الدار في بعض البلدان العربية مثل الإمارات أو المغرب والاصطدام برقابات البوليس والعمائم، انتهى بنا المطاف لحسن الحظ إلى ترخيص المشروع وتسجيله في فرنسا البلد التي أُقيم بها. بدأ المشروع عمله فعلياً مع بداية عام 2016 ونشرنا منذ ذلك الوقت ما يقارب 25 نصاً من عشرات النصوص التي وصلتنا أي بما معدله كتابان في الشهر. طبعاً كان يمكن لنا نشر كتب أكثر من هذا العدد بالكثير، لكن أسباب لا حصر لها، منها الرغبة بجودة ما ينشر واحترام حقوق الملكية الفكرية وقلة كادر العمل جعلتنا نقتصد في ما ننشره.

“لا بد لي أن أتحدى الناشر الأبله الجشع وأجد طريقي للنشر بنفسي، ولكن كيف؟”

2-  كيف ولدت الفكرة ولماذا؟

دعيني اعترف هنا أن موضوع النشر قد خطر في ذهني في البداية كحل لمشكل شخصي هو نشر كتبي وإيجاد مخرج ينقذني من طرق أبواب الناشرين الجشعين.

ولعل هذا هو السبب الأول والأساسيّ الذي شحذ عزيمتي لإيجاد حلول بديلة نبيلة فالعزيمة هي هويتي وفي كل مرة تغلق في وجهي الأبواب وتعوزني الوسائل الطرق اخترعها وابتكر حلولاً ولو كانت مجنونة للوهلة الأولى أو مستحيلة التحقيق لو فكرنا فيها منطقياً. إذ كيف يمكن لشخص “منتوف” مادياً مثلي مثلاً أن يغامر في تأسيس دار نشر تحتاج رأس مال كبير وبنية تحتية من مكتبات وعلاقات عامة في الميدان وقادرة على التوزيع والشحن الخ والأهم من هذا وذاك امتلاك الخبرة في هذا المجال ؟ أليس علينا تعلم السباحة قبل أن نرمي بأنفسنا في الماء؟ بدأ الأمر إذن كتحدٍ شخصي يتلخص فيما يلي: لا بد لي أن أتحدى الناشر الأبله الجشع وأجد طريقي للنشر بنفسي، ولكن كيف؟ … حسناً بأن أصبح ناشراً ولكن على طريقتي، وهنا يظل السؤال كبيراً ودون جواب بل وأقل وضوحاً: كيف؟ أول ما لمع في ذهني عندما كنت ألوك هذا السؤال هو تجربة نزار قباني.

ككل الشباب المحبين للأدب والشعر كنت أٌفرأ بنهم دواوين نزار قباني وكان هناك أمر استوقفني طويلاً وهو قراءتي على أغلفة كل دواوين نزار التي أعرفها عبارة “منشورات نزار قباني”.

استعدت هذه العبارة عندما اشتد حقدي على الناشرين وتعثري في نشر كتبي دون عوائق أو كما أرغب وخلصتُ إلى استنتاج شخصي لم أسع إلى التحقق منه وهو أن نزار قباني أراد أن يتخلص من جشع وحمق وتحكم واستغلال الناشرين بأن ينشر كتبه بنفسه وهذا ما يجب علي فعله.

وبمعنى آخر: إيجاد طريقة أنشر بها مؤلفاتي، ولكن مؤلفات غيري أيضاً ممن يعانون من نفس المشكل فيكون الحل أكثر من شخصي يطال عدداً كبيراً من الكتاب المقهورين من جشع وطمع الناشرين. قناعتي كانت وما زالت أن مستقبل الكتابة هو للكتابة الإلكترونية وليس موضوع سحب الورق من القارئ إلا مسألة وقت. في انتظار ذلك لا بد أن يساير الورقي الإلكترونيّ فهو لم يستسلم بعد وليس قبل خمس سنوات على الأقل في نظري.

” بعض الكتاب الذين لا يفعلون سوى التشكيك والشكوى والتذمر وشحذ سيوفهم لقطع يدك التي مُدت لمساعدتهم”

3-   ما الهدف الذي أردتم تحقيقه من المشروع ؟

فتح باب النشر الموصد أو نشره وكسره لفتح الباب أمام الكتاب الشباب والكُتّاب بشكل عام الذين توصد بوجههم كل دور النشر التي يهمها إن لم يكن الربح فهاجسها الأول اليوم مع الغزو الإلكتروني وعمليات القرصنة: هو عدم الخسارة والإفلاس وإغلاق أبوابها.

و  ما الذي قدمه المشروع حتى اليوم ” مطبوعات ،دراسات، ندوات … الخ “

لم يقدم الكثير في السنة الأولى سوى المنشورات التي نسقها ونضدها ووضعها على موقع كتابوك وتنظيمه للعلاقة بين الناشر والمؤلف بشكل قانوني من وجود عقد وضمان حقوق الطرفين والتعلم على احترام التعاقد. لم يكن هناك رأس مال لعقد الندوات والمؤتمرات وإقامة المقاهي الثقافية والأدبية لمناقشة منشوراتنا، بل تحولت الدار بسبب رغبتها في توفير حماية للكتاب وحقوقه إلى ما يشبه التابوت الذي غلّف الكتب ومنعها عن القارئ بدل نشرها وتعميمها.

هنا كان لا بد لنا من اتخاذ أحد الخيارين: إما إغلاق الدار وإعلان فشلنا وإما البحث عن حل جديد مع كل ما يمكن أن يتسبب ذلك بمزيد من الخسارة المادية والجهد والعمل. وهنا اسمحي لي أن أكون صريحاً أيضاً مع القارئ وخصوصاً مع بعض الكتاب الذين لا يفعلون سوى التشكيك والشكوى والتذمر وشحذ سيوفهم لقطع يدك التي مُدت لمساعدتهم.

واسمحي لي كذلك أن أقول رأيي هنا في العلاقة الندية المتوترة بين الكاتب والناشر فمن خلال تجربتي في الموقعين وصلت إلى الاستنتاج التالي: علاقة الكاتب بالناشر علاقة حديّة متوترة تشبه علاقة المواطن بالدولة والابن بالأب.

هناك عقدة أدويب في الأمر عند الكاتب فهو يرى أن الأب (الناشر) يملك السلطة عليه ولكنه يكبح من انطلاقه وحريته. والحق يقال إن الناشر هو تاجر بالدرجة الأولى. وفي الأعم الأغلب (الاستثناءات قليلة هنا إلا فيما ندر) يهمه الربح وليس الكاتب في نطره سوى مجرد وسيلة وزبون ومصدر ربح أما الكتاب فهو مجرد أوراق كثيرة يراد منها تحويلها بأقل التكاليف إلى أوراق مالية.

لكن من ناحية ثانية هناك مشكلة عند الكاتب هي مشكلة الذاتية أي نظرته إلى نفسه بأنه كاتب عظيم موهوب جداً وأن كتابه تحفة أدبية أو فنية وإن الناشر مجرد طمّاع جاهل غير كفؤ ولا يرقى لأن يقدر موهبته الاستثنائية حق قدرها. بين وهم الكاتب عن نفسه ونظرة الناشر/التاجر للربح تتوتر العلاقة وتتعقد.

يظل موقف الناشر أقوى عموماً فهو سيد الموقف وله السلطة على النشر ومعه مفاتيح الأضواء والولوج إلى أرض الاعتراف والشهرة. لكن وبما أن هدفه الربح وبما أن الكاتب مضطر للمرور من خلاله فإنه يتحكم بالكاتب وبمصير الكتاب. على الأقل هذا نظام النشر قبل أن تدهمه ثورة التكنولوجيا الرقمية والتي بدأت بخلخلة أركانه. ولعل الجواب التالي سيضيء الكثير من النقاط الكامنة في سؤالك هذا حول الإنجاز المتحقق للدار حتى الآن.

“اشتغلت على المشروع كالمجنون وكان تنسيق الكتب وتحويلها إلى E-BOOK عملاً مرهقاً”

4-ما هي العقبات والصعوبات التي واجهت المشروع؟

اسمحي لي هنا أن أكون تفصيلياً جدّاً وصريحاً جدّاً لكي يكون المؤلفون والقراء على بينة بتطورات الدار. بدأت المشروع إذن ككاتب يحلم بأن يكسر باب النشر وذلك بأن يصبح ناشراً لكن لا مال معه “ما العمل؟” استفدت من شيئين اثنين الأول وجودي في فرنسا وسهولة الإجراءات الإدارية في الترخيص وامتلاك وضع قانوني لدار نشر.

طبعاً كل ذلك يتطلب مالاً، لكني كرستُ ما كنت أكسبه من الكتابة لهذه الغاية ودفعتُ فوقها بعض المبالغ الأُخرى التي حصلتُ عليها من خلال بعض القروض الصغيرة. تغلبت على موضوع مقر الدار بأن وضعت عنوانها بنفس عنوان السكن الذي أنا فيه وهو أمر قانوني بالكامل في فرنسا.

والأمر الثاني الذي ساعدني على البدء هو وجود الفضاء الإلكتروني الذي شرع في كسر احتكار الورق وصار هناك كتب تُنشر على النت ودور نشر إلكترونية في الغرب مما خفف من التكاليف الباهظة للنشر الورقي كما أن زوجتي كانت قد اهدتني قبل أشهر من فكرة الدار قارئ إلكتروني تضع في مكتبته آلاف الكتب وتقرأها بشكل ممتاز مع إمكانية وضع الملاحظات وتكبير الخط وقاموس للمعاني وإضاءة الخ فقلت لنفسي لا بد من الشروع بالنشر  الإلكتروني.

لكن كل ذلك كان يتطلب موقع خاص وإجراءات حماية وبرامج E-BOOK الخ وباختصار مصاريف جديدة. اشتريت الموقع ورحتُ أبحث له عن مبرمج وقد وضعت إعلان عن ذلك على صفحتي على الفيسبوك.

ولحسن حظي وحسن حظ المشروع قرأ البوست الصديق عبد الرحمن الرفاعي وهو مهندس الكتروني ممتاز وقال لي أنه يتبرع بمجهوده لبناء الموقع. احتملني عبد الرحمن في طلباتي كثيراً فأنا لا زلتُ أُفكِّر ككاتب لا كناشر وأردت استعادة حقوق المؤلف المنهوبة بمنحه 20 بالمئة من أرباح المبيعات وحماية كتبه من القرصنة وإتاحة إمكانية حماية كتابه.

اشتغلت على المشروع كالمجنون وكان تنسيق الكتب وتحويلها إلى E-BOOK عملاً مرهقاً وبخاصة لشخص لا علاقة له من قبل بتقنيات التنسيق والطباعة. أمضيت وقتاً مجنوناً على الانترنت وأنا أبحث في تنسيق النصوص وتحويل النصوص إلى كتب إلكترونية وكانت المؤلفات تنهمر على الدار كانهمار المطر. كان لا بد لي من أن اقرأ النصوص إن لم يكن كلها فأجزاء كبيرة منها لأحكم عليها وعلى قابليتها للنشر.

كان لا بد لي من أن أجد من يقوم بتصميم أغلفة للكتب وقد بادر بعض الاصدقاء في البداية ايضاً لمساعدتي مشكورين، لكن لم يكن من اللائق ولا من الممكن أن استمر بإنهاكهم بهذه الأعمال وهنا قالت زوجتي أنها ستحاول فهي لديها معرفة لا بأس بها بتقنيات الفوتوشوب وقد أمضت ليالٍ كاملة وهي حامل على وشك الولادة في تصميم الأغلفة.

رغم كل هذه الجهود إلا أن النشر الإلكترونيّ لم يحظ بالنجاح فقد أدت اجراءات الحماية العالية كما قلت لك إلى تعقيد عمليات الشراء كما أن أمة اقرأ لا تقرأ والكتاب الالكترونيّ غير منتشر بعد في العالم العربي ولو طرحنا السؤال لماذا كل تلك الاجراءات المتعلقة بحماية النصوص بدل من جعلها متاحة للجميع؟ فجوابي هو أولاً لأننا لو لم نفعل هذا أضعنا حقوق المؤلف وحقوق الملكية الفكرية أكثر مما هي ضائعة في عالمنا العربي الفوضوي وثانياً لأن المشروع مرتبط ببنية قانوينة وضرائب ونفقات الخ ويجب أن يعيش وثالثاً لكي نتعلم التنظيم ومعنى الحق والواجب.

 إذن بعد سنة من بدء المشروع وفشله كنت أمام الخيارين التاليين:

أولاً أن أُغلق المشروع واعتبره تجربة فاشلة

و ثانياً أن أجد حلاً ينقذ المشروع وينقذ الحلم. ربما طبيعتي المعاندة دفعتني دون تردد للخيار الآخر. وعاد السؤال الشهير من جديد ليقف كالجدار الصلب أمامي” ما العمل؟” قلتُ سأعرض المشروع على دار نشر فرنسية.

وبالفعل كان عندي كتاب في الطباعة عند إحدى دور النشر الفرنسية المعروفة. حصلتُ على رقم مديرها من صديقة لي تعرفه وذهبتُ لأحدثه حول المشروع فقفز على الفكرة وتحمس لها وأراد أن نطبع أعمال دار كتابوك الالكترونية مع داره المعروفة. وفعلاً بدأنا العمل وكنت متفائلاً جدّاً يحدوني الأمل للتصديق بأن الحلم سيصبح حقيقة قريباً.

تحدثنا في تفاصيل كثيرة وهنا بدأت أشعر بخيبة الأمل وراحت غريزة الكاتب عندي تتواجه رأسياً مع نزعتهم الربحية كناشرين. علمتُ منهم أنهم يجبرون الكاتب على أن يشتري 50 نسخة من كتابه وأن يتولى هو عملية شحنها إن أراد الحصول عليها وإنهم لا يمنحون الكاتب شيئاً من حقه إلا بعد أن يتجاوز مبيعات كتبه 500 نسخة وعندها فقط يبدأ المؤلف بأخذ نسبة 4 بالمئة وكان كل ذلك بتعارض مع المبادئ التي أردتُ على أساسها أن تقوم كتابوك.

كان شرطهم إن أرادوا الاستمرار في دعم الدار أن تنطبق شروطهم على منشوراتنا. أصريت أن ابقي شروطي حماية حقوق المؤلف فيما يتعلق بالنشر الالكترونيّ كما هي فوافقوا على مضض، لكن فيما يتعلق بالنشر الورقيّ كان لا بد لي من القبول بشروطهم للاستمرار.

في تلك الفترة تعرفت على الوجه الآخر، الوجه الواقعي الذي يراه الناشر ولا يراه المؤلف فما لم أكن أعلمه عن النشر الورقيّ هو تكاليفه العالية مثل تكلفة الطباعة الباهظة الثمن والنسبة التي تأخذها المكتبات للترويج للكتاب وكذلك النسبة الخيالية التي تأخذها مواقع مثل أمازون وغيرها حيث تصل النسبة ل 50 % من سعر الكتاب عداكِ عن الاشتراك الشهري الذي يبلغ تقريباً 45 يورو في الشهر معهم بالإضافة إلى تكاليف الدعاية والشحن والتخزين والموظفين الخ الخ الأمر الذي خفف من حنقي على الناشر متفهماً ما له وما عليه ومع هذا وجدتُ أن هاجس الناشر ثابت وهو الربح على حساب الكتاب والكاتب والثقافة. ما جعلني أقبل بالعرض الذي قدمته لي تلك الدار هو أنه لم يكن لي خيار آخر.

قلتُ هكذا يستمر مشروع الكتاب الالكتروني لكتابوك ويدعم ورقياً فلا يموت وثانياً لأنني لا أملك لا رأٍ المال ولا البنية التحتية اللازمة لتوزيع الكتب. بعد أن اتفقنا على كل شيء وطلبوا مني تنسيق الكتب على مقاييس جديدة تناسب الطباعة الورقية وقد أمضيت ليال لا أنام وأنا اشتغل بهذه المهمة الجديدة ـ فليس لدي المال لأدفعه لشخص محترف يقوم بها بمدة قد لا تتجاوز ربع المدة التي اشتغلتها بها ـ تراجعوا عن فكرة التعاون. أُسقط في يدي.

ومررت بموجة احباط وكآبة حادة فقد تبخر الحلم بعد أن كان قاب قوسين أو أدنى من التحقق. وعدتُ إلى نقطة الصفر وراحت فكرة انهاء المشروع تفرض نفسها تجنباً لمزيد من الخسائر خاصةً أنني بقيت ادفع الضرائب وأسدد في الديون لمدة سنة رغم عدم بيع أكثر من بضعة نسخ من كل ما كنا قد نشرناه.

لكن مرة أخرى رفضت العزيمة أن تستسلم للوهن أو أن يرفع الحلم الراية البيضاء أمام كابوس الواقع.

قرّرت أن استفيد مما تعلمته من تفاصيل تجارية مع تلك الدار الفرنسية  لأنُجح المشروع في محاولة لأخذ المسار المعاكس للناشرين ففي حين هم يستغلون الثقافة لأهداف تجارية سأحاول أن أوظف التجارة في خدمة الثقافة.

حسناً وجدت إذن أن ال 50 نسخة التي تُطلَب من الكاتب لا بد منها لدفع جزء من تكاليف الطباعة التي ستكون على الطريقة الأوروبية الحديثة أي طباعة رقمية مما يعني بكميات أقل من 1000 نسخة وهي وإن كانت أغلى إلا أنها تخفف من خسائر كساد الكتب التي لا تجد سوقاً لها كما أن الطباعة الرقمية تسمح بطبع الكتاب من جديد وبشكل شبه لا نهائي طالما هو يُباع في الأسواق.

الحل هو تشاركيّ بدل أن يكون ربحيّ إذن يدفع الكاتب تقريباً نصف التكلفة الأولى وتتكفل الدار بالبقية (وهذا يعني مزيداً من الديون على الدار، لكن لا بأس لا بد أن يُطبع الكتاب ويجد طريقه للنور).

ما الفائدة من هذه العلاقة التشاركية؟ حسناً ما أن تُباع الكمية الأولى من الكتب التي قد تتراوح بين 350 و 500 نسخة حتى تكون تكلفة الطباعة الأولى قد سُدّدت بالكامل وتم توفير تكاليف الطبعة الثانية دون أن يُطلب من الكاتب تسديد أي ثمن هنا، على العكس يكون قد بدأ بتلقي حصته من مبيعات الكتاب. هنا يكون الكتاب قد تحرّر وأفلت من الحظر وصار مستقلاً بذاته قادراً على دعم نفسه ودعم كاتبه.

وبعد حسابات دقيقة وجدنا أن هذا يسمح لنا أن نمنح المؤلف حقوقه بعد بيع 200 نسخة من كتابه (غير ال 50 نسخة التي اشتراها) وليس على طريقة دور النشر التجارية التي تدفع فقط 4 % بعد مبيع 500 نسخة أو لا يدفعون له شيئاً بالمرّة، بل ويتكلف أموالاً ليست بالقليلة ليوافقوا على طباعة كتابه. من ناحية ثانية فإن ال 50 نسخة التي يدفعها الكاتب قد يستردها بالكامل تقريباً فهو طليق اليد في بيعها. وهنا نقترح ونساعد الكاتب في تنظيم حفل توقيع لكتابه لتسويق النسخ.

طبعاً أيضاً نقترح عليه إن أراد تجنب تكاليف الشحن أن نبيعها له نحن كما نسوق كل منشورات كتابوك عبر المكتبات ومواقع بيع الكتب مثل نيل وفرات وهي تأخذ هنا 50 بالمية من سعر المبيع.

الهدف هو تحرير الكتاب إذن وتربيته والانفاق عليه حتى يستقل بذاته ويعيد لمن أنفق عليه ما انفقوه. بهذا نطبع ونتحدى الواقع الاستهلاكي وننشر الكتاب ونحقق للكاتب حضوره لدى القارئ.

صدقي أو لا تصدقي إلا أنني بهذه الأساليب أحاول أن أخلق شيئاً من العدم بكل معنى الكلمة، ولا زلت متفائلاً بالمشروع وبنجاحه رغم كل الانتقادات الجارحة من بعض الكُتّاب الذين لا هم لهم سوى الانتقادات دون التحقق من أي شيء.

وأكثر ما يخيفني بالموضوع فأبقي عينيّ على اتساعهما بشأنه هو خطر أن أنسى نفسي في النشر وأن يبتلعني الناشر أو أن يمسخ الكاتب عندي مجرد ناشر ينسى مع الطريق لماذا بدأه.

” تلعب دار كتابوك دور الجسر القويّ الذي يعرِّف ببعض الكتاب العرب الجدد ويسمح للغرب أن يقرأنا بلغتنا نحن حتى ولو كانت مترجمة”

5-  ما هو جديد المشروع؟

بالإضافة إلى النشر الورقيّ والالكترونيّ باللغة العربية فإن المشروع سيطبع، وقد بدأنا بهذا الأمر، باللغتين الإنجليزية والفرنسية أيضاً. مقر الدار بفرنسا وهي لديها ترخيص قانونيّ كامل يسمح لها بإصدار منشوراتها باللغة التي تريد وبكونها في باريس فهذا يجعل منشوراتها في قلب السوق الفرنسية.

كما أننا سنوزع إصداراتنا في العالم الأنجلو ساكسوني من خلال المكتبات وعبر أمازون وهو أهم مؤسسة على الشبكة العنكبوتية لتسويق الكتب الإلكترونية والورقية. وبمعنى آخر ستكون كتبنا حاضرة باللغات الثلاث في الغرب والعالم العربي: بالعربية والإنجليزية والفرنسية.

لكن هنا عليّ أن أوضح أكثر فنحن لن ننشر فقط للكتاب الفرنسيين والإنجليز وإنما للكتاب العرب الذين يرغبون بترجمة أعمالهم إلى لغة شكسبير وموليير وذلك من خلال التكفل بترجمة أعمالهم إلى إحدى هاتين اللغتين بحسب طلبهم ووفق تكاليف نتفق عليها مقدماً ثم طباعة كتبهم ونشرها مما سيخرجهم من الإطار الحصري للغة العربية والقارئ العربي وسيعطيهم فرصة للانتشار أكثر وللاعتراف العالمي بهم.

هنا تلعب دار كتابوك دور الجسر القويّ الذي يعرِّف ببعض الكتاب العرب الجدد ويسمح للغرب أن يقرأنا بلغتنا نحن حتى ولو كانت مترجمة، وما أقصده هنا أن يتعرف علينا من خلال أفكارنا ونصوصنا وكلماتنا لا من خلال دعاياته وبروباغانداته فقط. ولكن دعيني اعترف هنا وبأسف، أن هذا العمل لن يكون عادلاً تماماً في الفترة الأولى.

وما أقصده هنا أن التكاليف المرهقة لعملية الترجمة والتدقيق والطباعة والتوزيع ستكون بجزء كبير منها على عاتق الكاتب الذي سيسعى لترجمة كتبه مما يعني في النهاية سلطة المال من جديد على الفكر والأدب والفن.

ليس بوسع الدار بوضعها المادي الحاليّ أن تتولى مثل هذه المهمة وللأسف بدون تمويل حقيقي سيظل الأمر مقتصراً على من معه.

كنتُ أتمنى لو يحصل مشروع ترجمة فاعل وكبير من العربية إلى الإنجليزية والفرنسية، بأن تدعمه دول قادرة على ذلك بدل من الإنفاقات الهائلة على الأسلحة التي نقتل بها بعضنا البعض.

كما أن دار كتابوك بدأت بترويج كتبها عبر دور نشر ومؤسسات معروفة مثل نيل وفرات وجملون والمنهل بالإضافة إلى موقع الدار وذلك من أجل فتح مزيد من الأبواب.

تقوم الدار كذلك بمراجعة أساليبها في النشر والتسويق والبيع بحيث ستخفف من التعقيد في عمليات التسجيل والشراء عن الموقع وسيصبح القارئ قادراً على امتلاك نسخة إلكترونية بدل من قراءتها على موقع كتابوك كما كان عليه الحال من قبل.

أخيراً ستوفر الدار خدمة شحن الكتب الورقية إلى كل أنحاء العالم وبسعر منخفض قياساً بشركات الشحن أو مؤسسات تسويق الكتب إذ يكفي القارئ أن يشتري الكتاب من على الموقع مع أجرة شحنه حتى يصله على عنوانه في غضون أيام.

” الآن فلا بد أن يقوم أحدهم بهذه الخطوة وهذا الأحدهم هو أنا اليوم فقد كان لا بد لي أن أُشمّر عن أكمامي وأنزل إلى الميدان”

6-    أين ترى مشروعك بعد خمس سنوات من الآن ؟

أرى أنه سينجح بعد تعثر وسيكون علامة فارقة. على الأرجح لن أكون في “الدار” بعد خمس سنوات وأنا لا أٌصد هنا فقط “الدار الدنيا” التي لا يعلم أحدٌ مدة بقائه فيها وإنما أيضاً دار كتابوك.

فما أن أثق أن المشروع وقف على قدميه وتعلم المشي وحافظ على الأهداف التي قام من أجلها حتى أسلمه لشخص لديه الوقت والصبر والأناة على مثل هكذا عمل وأتفرغ أنا للكتابة والتفلسف. أما الآن فلا بد أن يقوم أحدهم بهذه الخطوة وهذا الأحدهم هو أنا اليوم فقد كان لا بد لي أن أُشمّر عن أكمامي وأنزل إلى الميدان بدل التفرج والشتم ولعن القدر والشجع والطمع الخ الخ.

وباختصار كان جوابي على السؤال اللينيني الشهير “ما العمل؟” هو: العمل

صدر عن الدار :

قائمة بالكتب الالكترونية

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *