المعركة قادمة .. حاكم المركزي يقف بوجه شركات الصرافة

المركزي

النور – ثامر قرقوط

حتاج تبديل تدخّل المصرف المركزي في سوق الصرف، والعودة إلى جادة الصواب، إلى تغيير وزاري، شمل رئيس الحكومة والفريق الاقتصادي وحاكم المركزي. إذ تعامل المركزي خمس سنوات بطريقة خاطئة، في هذه السوق.

ولم يكن، لإدارته والحكومات المتعاقبة، الشجاعة الكافية للاعتراف بالخطأ، أو العدول عنه.

وكانت النتيجة، تبديد مزيد من القطع الأجنبي الاحتياطي، الذي لم يبق منه سوى مئات الملايين.

ومع بدء حاكم المركزي الجديد دريد درغام، بتحويل رياح التدخل في سوق الصرف، عبر حرمان شركات الصرافة، من القطع الأجنبي، وتزويد المصارف به، فهذا يعني، أن حجة الحكومة السابقة، التي لم نصدّقها يوماً، ومفادها أن هذا التدخل يأتي للالتفاف على العقوبات الاقتصادية المفروضة على المؤسسات الاقتصادية السورية ومنها المصارف، كانت كذبة بسيطة، لمعالجة قضية كبيرة.

إذ إن بيع القطع الأجنبي للناس، لم يكن يحتاج إلى هذه اللعبة غير الصادقة، لسبب بسيط جداً، وهو أن كل مراحل التدخل تجري داخل البلاد، وبالتالي لا شأن للعقوبات الخارجية فيها، والاستثناء الوحيد يتعلق بتمويل المستوردات، الذي لا مناص من مروره عبر المصارف.

بُحّت حناجرنا مطالبين باستثناء شركات الصرافة من بيع القطع الأجنبي للمواطنين والفعاليات الاقتصادية، دون أن تستجيب الحكومة السابقة.

واتهم الفريق الاقتصادي السابق هذه الشركات بخرق قوانين تداول القطع الأجنبي، وأنها شريكة في تحريك سعر الصرف صعوداً.

وأُغلق عدد منها غير مرة، وقُبض على بعض موظفيها، لمخالفات تتعلق ببيع القطع الأجنبي، وطرائق التدخل.

وكان جليّاً أن السبب الكامن وراء التمسك الشديد بهذه الشركات، لتكون القوة التدخلية الوحيدة في السوق، هو شراكة بين هذه الشركات والفريق المُصرّ على مدّها بالقطع الأجنبي، وتركها تسرح وتمرح في السوق على مزاجية أصحابها.

كان من المضحك المبكي، أن يجتمع حاكم المركزي السابق بهذه الشركات ويجبرها على شراء شرائح القطع الأجنبي، فيما هي تمتنع عن الشراء، رغم حالة العطش الشديد للقطع الأجنبي في السوق، لتبقى خارج رقابة المركزي.

إلا أن هذه الرقابة لم تنفع، وظلت قاصرة في أداء الوظيفة المحددة لها، بدليل أن الجهات الأمنية هي التي كانت تكشف خروقات الشركات ومخالفاتها للقوانين.

عانت ليرتنا من الغبن، وتعرضت لكثير من الإجراءات التي لم تكن في مصلحتها، ما أدى إلى تضافر ذلك مع جملة من الأسباب الأخرى المتعلقة بالحرب لتدهور سعرها، وخسارتها أكثر من 90% من قيمتها الحقيقية، فضلاً عن الأثر السلبي لهذا الأمر في رفع كلف المعيشة، وتفاقم الغلاء، وعدم استقرار الأسعار.

وحتى لا ننبش في القبور، أو نبحث عن ضالتنا في إجراءات سابقة أضعفت الليرة، وتناولناها في حينها، سننظر إلى المستقبل، لقناعتنا الراسخة أنه لا توجد محاسبة حقيقية بحق كل من أخطأ بحق الليرة، كالحاكم السابق الذي يشغل الآن منصب وزير الاقتصاد والتجارة الخارجية أديب ميالة.

هل يمكن لهذا الإجراء أن يضبط سعر صرف الليرة؟ بالتأكيد، إن الإجراء المذكور هو في الاتجاه الصحيح، لكنه سيبقى قاصراً، إذا لم يتكامل مع إجراءات أخرى تعالج قضية سعر الصرف المتهاوي أمام القطع الأجنبي.

فالبحث الدائم عن القطع الأجنبي، والتخلي عن الليرة، هو أسلوب اتبعه المواطن للمحافظة على القدرة الشرائية لمدخراته، وقبل أن نتهم هذا المواطن الضعيف اقتصادياً، بأنه يتخلى عن ليرته، فلنبحث عن الأسباب التي دفعته إلى هذا الاتجاه غير المرغوب.

كما أن الفارق الكبير بين سعر الصرف في السوق السوداء، وفي شركات الصرافة المتعلق بالحوالات، يدفع الناس إلى القنوات غير النظامية، ويشجعهم على التحويل من تحت الطاولة.

لابد للمركزي أن يحافظ على سعر صرف عادل ومتوازن، أياً كانت قيمته، لطيّ ملف المتاجرة بالقطع الأجنبي، وأبرز نقاط هذا الملف تمويل المستوردات، وسعر الحوالات، إضافة إلى دعم المنتجين الحقيقيين صناعيين وفلاحين.

ولدينا تجارب سابقة، في تحديد سعر عدد من السلع كالقمح، بثمن أعلى من العالمي، لتشجيع الفلاحين على تسليم محصولهم للدولة، وزيادة المخزون الاستراتيجي من هذه المادة.

في الدولار القضية لا تخرج عن هذا الإطار، فهو بالنهاية سلعة متداولة، خاضعة للعرض والطلب، والمواطن سيذهب إلى السوق الذي يكون السعر فيه أعلى لبيع دولاراته التي يملكها.

إن المحافظة على ليرتنا قوية، ويقتنيها الناس، ويدخرون بها، يحتاج إلى الثقة بالإدارة النقدية، وبقدرة الفريق الاقتصادي على قيادة الدفة الاقتصادية بحكمة ودراية، إلى الشاطىء المرغوب.

فهل سيكون الحاكم الجديد قادراً على الصمود في وجه شركات الصرافة ومن يقف خلفها؟ إن القوى الداعمة لهذه الشركات، لن تقف مكتوفة الأيدي، وستحارب هذا الإجراء، وستحاول إفشاله، والمركزي يدرك ذلك، وبلا شك هو مستعدّ لهذه المعركة القادمة، التي ستُفرض بحقّ الليرة المستضعفة، لإنهاكها من جديد.

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *