إدلب .. من يخاف شعارات الثورة؟!

إدلب

أورينت – علي سفر

ما حدث البارحة في مدينة إدلب ، من محاولة لقمع تظاهرة سِلمية دعا إليها ناشطو المدينة، كان يُتوقع له أن يحدث في وقت لاحق، ولكن سرعة حصوله تبدو لافتة ومعبرة..!

التظاهرة من الناحية النظرية يفترض ألا تخيف أياً من القوى المسيطرة على المدينة، فهي حراكٌ رمزي يذهب إلى تثبيت حضور الثورة في المدينة “المحررة”، وبالتأكيد فإن الأعداد التي كان يفترض لها أن تشارك فيها، لن تنغص على أحدٍ طمأنينته، إذ إن كثافة المشاركين الذين خرجوا في الشوارع يوم الجمعة الماضي ، ظلت أقل بكثير من مثيلتها في أضعف أيام السنة الأولى من الثورة، وبالتالي فإن رمزية الحضور في الشارع من قبل المتظاهرين، ورغم أهميتها من جهة كونها تؤشر إلى ديمومة الثورة، بقيت ضمن حدود التأثير الإعلامي، ولم تتجاوزه لتفرض واقعاً مختلفاً جديداً لحالة السيطرة في المناطق “المحررة”.

ولكن لماذا وجد متظاهرو إدلب أنفسهم في مواجهة مع اللجنة الأمنية التابعة لجيش الفتح، ولماذا وجهت الاتهامات لجبهة النصرة دون غيرها من القوى العسكرية التي يتألف منها هذا الجيش؟ رغم أن المتحدث الرسمي  للمكتب الإعلامي في الجبهة أبو عمار الشامي نفى مسؤوليتها عما حدث؟

هذه الأسئلة لا يمكن لأحد أن يجيب عنها دون العودة إلى تبيان الوضع الذي فرضته العسكرة على مجمل الحراك الثوري منذ نهاية عام 2011، وصولاً إلى لحظة الهدنة التي ما تزال في أيامها الأولى.

لقد خلقت تظاهرات يوم الجمعة الماضي رؤية مختلفة على أغلب المتابعين للوضع الثوري السوري، بعد أن مضى زمن طويل على أخر التظاهرات التي جرى قمعها بوحشية من قبل القوى الأمنية للنظام. ما كان مباغتاً وصادماً على وجه الدقة هو قيام المتظاهرين باسترجاع نفس الروح التي وصلت إليها تفاصيل ثورتهم السلمية المدنية، وتحت راية الاستقلال التي تحولت إلى علامة ذات قيمة رمزية كبيرة المعنى، هائلة التأثير حين اعتمدها السوريون رمزاً لسوريا الحرة التي تطمح لها ثورتهم.

وهكذا بات واضحاً للجميع بأن ما قرره الثائرون منذ خمس سنوات، لن يستطيع أحد أن يعود عنه، حتى وإن غُيبت شعارات المتظاهرين السلميين الأولى تحت أصوات قعقعة السلاح، وحتى وإن غاب علم الاستقلال بسبب تكاثف الأعلام الملونة الأخرى.

استقبال السوريين لعودة التظاهرات، كان كبيراً ومثيراً، وعلى غير عادتهم بالإحصاء والتدقيق بحجم الجموع وعدد نقاط التظاهر التي اتبعوها في السنتين 2011- 2012، فقد رفع السوريون من حماستهم تجاه ما يحصل، وتغيرَ مزاجهم، وكأنهم قد التقطوا روح الثورة من جديد..!

طلائع التظاهرات بدأت في الاسبوع الأول للهدنة، ولكن تكثيفها يوم الجمعة أتى بقرار ذاتي يكتنف رغبة عالية لدى السوريين لتوجيه الرسائل لكل القوى المحلية والاقليمية والدولية. رسائل تبدأ بالإعلان عن أن الثورة قامت من أجل إسقاط النظام الاستبدادي، ولإقامة نظام ديموقراطي يحترم الانسان السوري، ويقدس حريته، وتمر بضرورة ألا ينساق البعض ضمن الظرف الراهن صوب المشاريع الفئوية، التي تفرض على الجميع بقوة السلاح، وبقوة التدخلات الأجنبية، ولا تنتهي بالإعلان عن أن الثورة تمضي نحو عتبة إعلان تحرير الأرض السورية من كل أشكال الوجود العسكري الأجنبي، هدفاً أساسياً لا يقل أهمية عن هدف إسقاط الاستبداد بكل أشكاله، وأياً كان الطرف الذي يفرضه.

التدقيق في الواقع الذي وصل له الحراك الثوري بشكل عام، يفضي بالحقيقة إلى مسألة مهمة تقول بأن العودة إلى الشارع، ليست خياراً مزاجياً، تذهب إليه قوى الثورة المدنية الديموقراطية، لاستغلال فترة الهدنة، وتصوير التظاهرات، ونشرها عبر وسائل التواصل الاجتماعي.

بل إنها قرار تفرضه الوقائع التي يحاول البعض استغلالها لحرف مسار الثورة عن غاياتها، ليصل إلى تحقيق أجنداته الخاصة، كما تفرضه الانحرافات الكبيرة التي وصلت إليها الكثير من الفصائل المسلحة التي فرضت سلسلة من المصالح الخاصة بها على مجمل المناطق التي تتحكم فيها.

ولهذا فقد بدت هذه العودة إلى الشارع ومن زاوية تكريس فعل التظاهر، خياراً حتمياً، يشعر الجميع بضرورة ألا يتم التفريط به، حتى وإن بلغ التناقض بين هذه القوى السلمية، وبين تلك التي تحمل السلاح، حد الشقاق والمواجهة.

وضمن هذا الأفق، تختبرُ تظاهرات القوى الثورية المدنية جميع حَملةِ السلاح من السوريين، حين يجدون أنفسهم في مواجهة مع مواطنيهم الذين رفضوا استبداد النظام، ولن يقبلوا باستبداد أي من تلك القوى التي تبرر وجودها العسكري بحجة الدفاع عن المدنيين، ولهذا فإن الحديث عن عملية فرز متسارعة يفرضها نهوض الحراك المدني مجدداً، يجد مشروعيته الكاملة في هذه اللحظات، خاصة وأن الوعي السياسي التراكمي الذي صنعته السنوات الخمس الماضية، يعني في أول معانيه أن تكون استراتيجيات الجميع منسجمة تماماً مع استراتيجية الثورة.

وضمن هذا الواقع، يمكن القول بأن ماحدث في إدلب، إنما هو البداية فقط، من مواجهة أكبر، سيكون الجميع مضطرين للذهاب إليها، إن لم يدرك قادة فصائل الجيش الحر وكذلك الفصائل الإسلامية المعتدلة، وحتى جبهة النصرة التي ماتزال ترفض الالتحاق بالمشروع العام للقوى الثورية، بأن ما تريده الثورة، أكبر وأهم من كل مشاريعهم الخاصة، وأن ما يفرضونه على السوريين بقوة السلاح، ليس سوى اختطاف لإرادة ومصائر هؤلاء، يتوازى بشكل كامل مع ما فعله النظام طيلة عقود بسوريا.

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *